فوائد التحرر من الروتين
كتب : حسين أحمد الكلدي
إنّ العلاقات اليومية التي نعيشها ما هي إلا تكرارٌ لروتينٍ مملٍّ يعيشه أغلب الناس، وأعتقد أن هذا الأمر يعيق تطوّرنا بالقدر الكافي؛ إذ يُعدّ الروتين أحد أكبر العوائق أمام النمو والتجدد. كنتُ في مدينة صلالة الغنّاء، وأنا من محبّيها، لانها تمتاز بالهدوء وتشعر انها ترصد احاسيسك وشعورك وترسل اليك كثيرا من الحب والطمأنينة وانا أحبّ القراءة على شواطئ محيطها الجميل، لِما يتوافر لديّ من وقتٍ كافٍ لذلك. عندما أكون بحضنها الداڤئ. وعلى الرغم من امتداد شواطئها وطولها الا اني كنتُ أفضّل الذهاب إلى أماكن محددة بعينها بشكل متكرر شبه يومي، نتيجة نشوء ألفةٍ بيني وبين تلك الأماكن، رغم وجود أماكن كثيرة اكثر هدؤء قد تكون أفضل منها. غير أنّ شعور الألفة التي بيني وبين تلك الاماكن اني كنت اقضي بها وقت اطول منذ زيارتي الأولى ولذلك يربطني بها علاقة دائمة . حتى محطة الوقود التي أقصدها كانت هي نفسها القريبة من المجمع السكني الذي أعيش فيه، بالإضافة إلى المول ذاته، والكوفي شوب ذاته، وكوب القهوة المفضل لديّ نفسه الذي لم أقبل تغييره أو البديل وتجربة مذاقٍ آخر غيره. بل إنّ النادل كان يحفظ طلبي، وبمجرد وصولي اليهم يكون الطلب جاهزًا دون أن أنطق بكلمة. تساءلتُ مع نفسي: لماذا يحدث هذا؟ هل يعقل أن تكون المنطقة خالية من أماكن جميلة أخرى؟ وأثناء قراءتي وتأمّلي، أدركتُ أن هذا الروتين يمثّل عائقًا شعوريًا يمنعني من ارتياد أماكن أخرى غير التي اعرفها والاطلاع من خلالها على أجواءٍ أجمل، وأكثر لطفًا ورقيًا، وايضا بناء علاقات جديدة، والتعرّف على مزيدٍ من الناس، بما يساهم في توسيع دائرة معارفي، وتعميق صداقاتي بتلك الأماكن التي أحبها، ولا سيّما أنّ كثيرًا منها تتشابه عاداتهم وتقاليدهم مع عاداتنا وتقاليدنا . كما أنّ هذا الانفتاح قد يساعدني في البحث عن منافذ للاستثمار، كونها أرضًا واعدة وجذابة وذات أهمية كبيرة. ويُعدّ ذلك فرصةً حقيقية لتأثير الفرد في المجتمعات التي يذهب اليها والتأثر بها وبما تملكه من تراث وعادات وتقاليد ومخزون فكري وثقافي ؛ فالبلدان التي يزورها الإنسان أو يعيش فيها، يترك فيها جزءًا من أجمل أيام عمره، ويحمل في ذاكرته أجمل الذكريات منها والتي ترافقه بقية حياته. إنّ هناك أوقاتًا مناسبة تتيح لك الخروج من دائرة الروتين، لما لذلك من دورٍ في تسهيل التواصل مع أشخاصٍ لا نعرفهم، واكتشاف حقيقة أنّ الحياة لا تأتي إلينا من تلقاء نفسها، بل علينا أن نسعي ونبادر إليها، خصوصًا فيما يتعلّق بتنمية العلاقات الإنسانية. وعلى هذا الأساس، لم أندم يومًا على خروجي من منطقة راحتي؛ فمحاولة التعرّف على من لا نعرفه أمرٌ إيجابي، حتى وإن فشلت المحاولة أو لم تنشأ أي علاقة في المستقبل. أعتقد أن ذلك يستحق الجهد، إذ إن المحصلة دائمًا ما تحمل فائدة ما، سواء كانت معرفة جديدة، أو خبرة مكتسبة، أو اكتشاف فرصة عمل مثمر او مكان جميل، مما يعني الاستمتاع بلقاء إنسانٍ ما. وهذا بحد ذاته استثمار يستحق خوض تجربة التواصل في كل مرة.
28 / 1 / 2026


