التعبئة الفكرية السلبية وانعكاساتها على الحراك الثقافي والسياسي المجتمعي ..!!

من المعلوم لدى الجميع بأن الأحزاب الإيديولوجية والدينية بمختلف توجهاتها تعتمد في المقام الأول على الأدلجة الفكرية لعقول أتباعها وخصوصا صغار السن ، عن طريق اقناعهم بأن الحقيقة تنحصر في أفكارها السياسية ومعتقداتها الدينية أو الفلسفية وما دون ذلك هو الباطل والضلال ' ويترتب على ذلك نشأت أجيال معقدة ومتطرفة ومتشددة رافضة للآخر ومعادية لكل فكر أو رأي مخالف للأفكار والمعتقدات التي تم برمجتها عليها ' وما تعيشه المجتمعات البشرية من صراعات وحروب متواصلة ومستمرة هو النتيجة الطبيعية لهكذا سلوكيات معادية للحرية الفكرية ومناهضة للتعدد والتنوع الفكري والسياسي والثقافي ' ولهكذا ممارسات تسعى إلى فرض فكر واحد وأجندة واحدة على جميع البشر بالقوة والإكراه والإجبار  ..!! 

والشاهد من ذلك .. 
وأنا أتابع حالة الحراك الثقافي والفكري للمجتمع اليمني ' وأتابع النقاشات الفكرية والسياسية بين أفراد المجتمع سواء في الواقع أو على مواقع التواصل الاجتماعي ' وجدت بأن هناك حالة من الجمود في الحوار بين جميع الاطراف المجتمعية سواء في الجانب الديني أو المذهبي أو الفكري أو السياسي أو الثقافي ' ووجدت بأن جميع النقاشات والحوارات تدور في حلقة مفرغة وتعاني حالة من العقم الشديد والعجز والافلاس والرتابة ' وتفتقد للابداع والابتكار والتجديد ' نفس الطرح نفس الاساليب نفس الجدل ' تكرار حد الملل ، فكل طرف متمترس حول افكاره وغير قابل بالنقاش والحوار الفكري والعقلي والمنطقي مع الآخرين ، فهو يؤمن ببطلان وفساد أي أفكار او نظريات تتعارض مع افكاره دون اعتبار  لقوتها وعقلانيتها ومنطقيتها ؛ وهنا تصبح نتيجة أي حوار او نقاش صفرية وغير مجدية ..!! 

وحالة الحوار والنقاش الفكري والثقافي بين أفراد المجتمع ما هي إلا انعكاس للاوضاع السائدة على الواقع ' وما يحدث من صراعات وحروب وصناعة المزيد من الكراهية والعداء بين أفراد المجتمع هو نتاج الحالة الفكرية ' فماذا ننتظر من مجتمع يعاني حراكه الفكري والثقافي من الإعاقة والعجز ' وتهيمن عليه ثقافة الكراهية والعداوة والاستحواذ والاقصاء والرفض للآخر ' ماذا ننتظر من مجتمع تقوم فيه القوى الفاعلة بمختلف توجهاتها بتعبئة عناصرها التعبئة السلبية الهدامة ' التعبئة الرافضة للتنوع والتعدد ' التعبئة المؤدلجة لفكرة واحدة ورأي واحد ' التعبئة الاقصائية والاستحواذية ' حتماً الصراع والتنافر والكراهية هو النتاج الطبيعي والمنطقي لهكذا تعبئة سلبية ' ومن غير المعقول أن ينتج عن هكذا تعبئة أفكار راقية وحضارية ' ومن غير الممكن أن ينتج عنها مجتمع مترابط ومتحاب ومتعايش سلميا ..!! 

وبذلك فإن ما يعيشه المجتمع اليمني اليوم من خلافات وتباينات وصراعات وحروب ' هو انعكاس لحالة الحراك الفكري والثقافي السلبي السائد اليوم ' فكل حزب وطرف لا يتردد في تعبئة عناصره بكراهية الآخرين وشيطنتهم وصولاً إلى حد تكفيرهم عند بعض الاحزاب والجماعات المتطرفة والمتشددة ' إن بيئة يسود فيها هكذا حراك ثقافي وفكري ينطبق عليها المثل العربي القائل ( من يزرع الشوك لا يحصد العنب ) فمن يزرع الكراهية والتطرف والتشدد والرفض للرأي الآخر والفكر الآخر لن يحصد المحبة والسلام والتعايش السلمي والارتقاء الفكري والثقافي ' وحتماً لن يحصد سوى العداء من الآخر والرفض من الآخر والصراع مع الآخر ' لأن لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومضاد له في الإتجاه ' وكل ما يحصده المجتمع اليمني اليوم من تنافر وتصادم وخلاف هو ثمار تلك السياسات الفكرية والثقافية الرافضة للتعدد والتنوع ..!! 

 وليس أمام المجتمع اليمني بمختلف احزابه وجماعاته وتوجهاته ومذاهبه من سبيل للخروج مما هو فيه من السلبية والعدائية الفكرية والمذهبية سوى انتهاج سياسات فكرية وثقافية جديدة تقوم على احترام التعدد والتنوع الثقافي والفكري والسياسي والاحترام المتبادل والقبول بالآخر والتحرر من التعصبات بكل صورها والتخلص من انتهاج اساليب ووسائل التعبئة السلبية واحدية الفكر والرأي وترك المساحات الواسعة للعقل اليمني للاختيار والبحث بكل حرية دون اكراه أو اجبار او استغلال ، ومن حق كل طرف أن يطرح أفكاره وينشرها لكن بالحكمة والموعظة الحسنة ، دون مصادرة وتجريم وتحريم لأفكار الآخرين ، والافكار التي تمتلك القوة والاقناع والبينة والحجة هي التي سوف تسيطر على العقول وتكسبها ، وليست بحاجة لمحاربة أفكار الآخرين ومعاداتها ، وليست بحاجة لفرضها على الآخرين بالقوة او الاكراه ، فالافكار القوية والحضارية النافعة للناس دينيا ودنيويا ، والمتظابقة مع العلم والعقل والمنطق ، هي التي سوف تغزوا العقول وتسيطر على القلوب ، فالفكر الاسلامي عندما انتشر لم ينتشر بقوة السيف بقدر انتشاره بقوة تشريعاته وأفكاره واحترامه للتعدد والتنوع ، قال تعالى (( لا إكراه في الدين )) ، ومن يعتمد على السلطة أو القوة أو النفوذ لفرض أفكاره ومناهجه ومحاربة ومعاداة أفكار ومناهج الآخرين ، فهذه العوامل متقلبة ومتغيرة وليست مستقرة ولا دائمة ، وتظل البينة والحجة والعقلانية والحكمة والموعظة الحسنة هي الثابتة والدائمة ..!!