الثلاثون من نوفمبر ميلاد الهوية الجنوبية ومصير الغزاة المحتوم
بقلم | أيمن مزاحم
في تقويم الأيام، ليست كل التواريخ مجرد أرقام عابرة، بل هي أيقونات راسخة تُختزل فيها حكايات الشعوب وصراعها الأبدي من أجل البقاء والسيادة، ويقف يوم الثلاثين من نوفمبر شامخاً في سجل الجنوب، ليس بصفته نهاية لمرحلة فحسب، بل كنقطة ميلاد جديدة للهوية المتجذرة، والشاهد الأصدق على إرادة شعبٍ أبت أن تُقهر، إنه التاريخ الذي تحوّل فيه المجد المُراد إلى حقيقة ملموسة، مُعلناً عن لحظة التحرر التي لم تكن هبة، بل حصاداً دموياً للبطولة والصبر.
فهنا إرادة الشعب التي لا تُهزم الثلاثون من نوفمبر عام 1967، التي تمثل في ذروة نضال وطني طويل، توّج بانسحاب آخر جندي استعماري، ليثبت الجنوبيون للعالم أن الإرادة الشعبية الصادقة هي القوة العظمى التي لا يمكن لسلاح أن يكسرها أو لغطرسة أن تُخمدها. هذا اليوم ليس مجرد ذكرى عسكرية أو سياسية، بل هو تجسيد للمحبة العميقة للأرض والاعتزاز بالهوية الجنوبية التي صقلتها التضحيات، هذا الإرث من التحرر هو مصدر القوة الذي يستمد منه الجنوبيون اليوم حقهم المشروع في الاحتفاء، وهو حق أصيل لا يمنحه أحد ولا يسقطه تقادم، إن الاحتفال به هو تجديد للعهد، وتأكيد على أن جذوة النضال لم تنطفئ، وأن ذاكرة التضحية حية في كل جيل.
حق الاحتفاء وتذكرة المصير، لكون الهوية الجنوبية ليست مجرد مسميات أو حدود جغرافية، بل هي منظومة قيم متكاملة قوامها الكبرياء الوطني وحق تقرير المصير، وعندما يرتفع صوت الجنوبيين ابتهاجاً في هذا اليوم، فإنهم لا يستحضرون الماضي فحسب، بل يوجهون رسالة واضحة إلى الحاضر والمستقبل، أن هذا المصير لا يقبل القسمة على أحد، وأن القرار السيادي لن يُصادر أبداً، هذا التاريخ، بمثابة تذكرة حاسمة لكل من تسوّل له نفسه محاولة فرض واقع جديد بقوة الأمر الواقع أو الوصاية فإذا كان استعمار الأمس قد ولى تحت ضغط الإرادة الجنوبية، فإن الغزاة الجدد مهما كانت أشكالهم وأهدافهم وتنفذاتاهم، سينتظرهم ذات المصير المحتوم، فالشعب الذي دفع ثمناً غالياً لحريته لن يتنازل عنها طواعية ولن يسمح لتاريخه بأن يُكتب بمداد الآخرين.
ختاماً يبقى الثلاثون من نوفمبر درساً خالداً في سجل الأمة، يؤكد أن الشعوب صاحبة الإرادة الحرة لا تُهزم، إنه يوم الهوية بامتياز، الذي يذكر الجنوبيين بقوة وحدتهم وإصرارهم على المضي نحو تحقيق تطلعاتهم الكاملة، وفي مواجهة كل التحديات يظل هذا اليوم هو البوصلة التي تشير إلى طريق السيادة والمصباح الذي يضيء نهاية الطريق نحو استعادة كامل الحقوق والمكانة المستحقة.


