الدناقة

بقلم: حسن الكنزلي


ليست الألفاظ الشعبية التي تتداولها الأمم كلمات عابرة؛ بل مرايا صادقة تعكس وجدان المجتمع وتختزل منظومة أخلاقية كاملة. وحين يقول الناس في لهجتهم: “فلان دانق”، فهم لا يرمون لفظا في الهواء؛ بل يصدرون حكما قيميا صارما يضع صاحبه في أدنى مراتب المروءة.

في الوعي اليمني، ليست “الدناقة” شتيمة لغوية؛ بل توصيف أخلاقي مُدان؛ وصفٌ لإنسانٍ سقط من ميزان الرجولة، وتخلٍّ عن القيم التي تُقيم الأفراد وتبني الأوطان؛ ولذلك فرّق الناس بفطرتهم بين الفقر والدناءة، وبين قلة ذات اليد وقلة المروءة؛ فكم من فقيرٍ عزيز رفعه صدقه وأمانته، وكم من غني حقير أسقطته خسته ولؤمه. وقد قرّر القرآن هذا الميزان بوضوح حين قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾؛ فلم يقل: أغناكم ولا أقواكم؛ بل أتقاكم؛ أي أصدقكم وأوفاكم وأبعدكم عن الخسة.

الدانق في أصل اللغة يدل على القِلّة والصِغَر؛ جزء يسير من الدرهم، ضئيل الشأن. ومع تراكم التجربة الاجتماعية انتقلت الكلمة من وصف صِغَر المال إلى وصف صِغَر النفس. هكذا تصنع المجتمعات ألفاظها الأخلاقية؛ تستعير من المادة صورا، ثم تُسقطها على القيم. فكما أن الدانق لا يُغني صاحبه ولا يُعتد به في المال، كذلك “الدانق” في الأخلاق لا يُعوَّل عليه في موقف، ولا يُؤمَن جانبه في شدة.

الدناقة ليست فقرا ولا زلة ضعف عابرة؛ إنها مرض أخلاقي إذا استقر في النفس أفسدها، وإذا انتشر في المجتمع دمّره من الداخل. “الدانق” نفسيا إنسان ضيق الأفق، تحكمه المصلحة الآنية ويقوده الخوف والطمع؛ لا يثبت على مبدأ، ولا يحفظ عهدا، ولا يقيم وزنا للحياء. وإذا خاصم؛ فجر، وإذا وعد؛ أخلف، وإذا أُعطي؛ لم يشكر، وإذا مُنع؛ سبّ ولعن.

وقد رسم النبي ﷺ هذا الانحدار الخلقي بوضوح حين قال: «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». فالفرق شاسع بين الخطأ العارض والخُلُق المستقر؛ الخطأ زلة تُجبرها التوبة، أما الدناقة فاختيار واعٍ للخسة، وتكرار للسقوط حتى يصبح السوء طبعا والخيانة مهارة؛ ولهذا قال ﷺ: «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ».

تبدأ هزيمة المجتمعات حين تصبح الدناقة مقبولة، والخسة “شطارة”، وصاحب المروءة ساذجا؛ فالدانق يتلوّن؛ يظهر في الخصومات فجورا، وفي المال غشا ومماطلة، وفي الوظيفة استغلالا وبيعا للذمم، وفي الشدائد خذلانا وتنصّلا. عندها يسقط العدل أولا؛ لأن الدانق لا يرى إلا مصلحته.

الدناقة وباء اجتماعي يقتل الثقة ويحوّل المجتمع إلى غابة من الشك. وإذا كثر “الدانقون”؛ صار الصدق سذاجة والوفاء مخاطرة. وقد حذّر النبي ﷺ من هذا الصنف المفسد بقوله: «شَرُّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ!»؛ فاللئيم أخطر من العدو؛ العدو يُقاتلك بوضوح، أما اللئيم فيطعن من الخلف باسم النصيحة والمصلحة.

الدناقة في جوهرها ليست مجرد انحراف أخلاقي؛ بل قابلية نفسية للاستتباع؛ استعداد داخلي ليكون الإنسان أداة رخيصة في يد الظالم. لا يسأل الدانق عن حق ولا عن باطل؛ بل: ماذا سأربح؟ وقد وصف القرآن هذا النموذج بقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾. ومن عبد المصلحة؛ صار عبدا لمن يملكها؛ كما حذّر النبي ﷺ بقوله: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ».

والإنسان لا يفقد مكانته فجأة؛ بل يفقد احترامه أولا حين يبرر الصغائر ويهون عليه الكذب والغدر. وإذا انتشرت الدناقة؛ سقطت الهيبة بين الأمم؛ فالهيبة لا تُصنع بالسلاح وحده؛ بل بقيم تمنع البيع والخذلان. وقد نبّه القرآن إلى هذا المعنى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾؛ فمن خان نفسه؛ خان قضيته.

في مقابل هذا السقوط؛ يرفع الإسلام راية المروءة والأمانة والثبات؛ فالرجولة ليست ادعاءً أجوف؛ بل خُلُق راسخ وموقف ثابت. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾. وقال ﷺ: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ». وقد لخّص عمر بن الخطاب رضي الله عنه الميزان بقوله: نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، والإسلام هنا قيمٌ تحكم السلوك؛ لا طقوسٌ تُرفع.

الوقاية من الدناقة تبدأ بالتربية على القيم؛ لا على المصالح، وبسؤال: ما الحق؟ لا: أين الربح؟ تبدأ بمحاسبة النفس، وباختيار المواقف قبل المكاسب، وبصحبة الأخيار؛ فالمرء على دين خليله؛ فإياكم والاستهانة بصغائر الخسة؛ فالنار من مستصغر الشرر!

أحيوا المروءة في نفوسكم وبيوتكم وأعمالكم. ربّوا أبناءكم على الشرف والثبات؛ لا على الانتهازية والتلوّن. وتذكّروا يقينا لا شك فيه: سقوط القيم أخطر من سقوط الأجساد، والأمم لا تُهزم من الخارج حتى تُهزم أخلاقيا من الداخل.
نسأل الله أن يطهر البلاد من اللؤم والدناقة، وأن يعيذنا من الخيانة والتلوّن والانتهازية، وان يجعلنا من أهل المروءة والأمانة والثبات على الحق.
ودمتم سالمين!