الصراع من أجل الكرامة.
بقلم: حسين السليماني الحنشي.
عندما تتعالى أصوات التغيير، فإنها غالبًا ما تستند إلى الحقوق التي تمثل أسمى تطلعات الإنسان، وهي العيش بكرامة تحت قيادة تضمن له الأمن والاستقرار في جميع جوانب الحياة.
إننا في هذه البلاد لم نحقق الاستقرار المطلوب، بل عشنا صراعات لم نشهد فيها دولة تهتم بمصالح الجميع.
لقد مررنا في البلاد بمراحل من الانقلابات على الحكم، حيث عاش المشاركون فيها وحققوا مكاسب على حساب الخاسرين، مما أدى إلى تراكم الكراهية لدى هؤلاء الخاسرين واحتقان امتلأت به صدورهم، وقد تتلاقى وتتوافق تلك الاحتقانات عند المماثلين لهم، ويخرجون عن صمتهم ويكشفوا تفاصيل المعاناة، فتكون تلك المعاناة مظلة بلا دراسة أو قيادة تأخذ زمام المبادرة في سياق آخر وتتجاهل الحقوق المشروعة للمقهورين، لكننا لم نجد من يحاول ربط الحقوق برفع المظالم، ويسعى بذكاء لإيجاد طرق أقل تكلفة للحفاظ على ما تم إنجازه.
لم نعيش في هذه البلاد تحت دولة مستقرة، ففي الشمال لم يتجاوز عمر الدولة العقود وهي مضطربة وقامت على مظالم مناطق ولا تزال تدفع الثمن أرضًا وإنسانًا، وكذلك في الجنوب، فقد حققت إنجازات كبيرة في توحيد السلطنات والمشيخات في الجنوب في دولة واحدة، لكنها لم تعش أكثر من ثلاثة عقود. بعد ذلك، تحقق إنجاز سياسي لم يكن ثوريًا أو شعبيًا ولكن أنجزته السلطات الفاشلة والتي قامت على حساب اخرين، وأصبح الشعب يسامح الماضي من أجل العيش بكرامة، ولكن دولة الوحدة أيضًا تخللتها الحروب، وعادت المناطقية والجهوية رغم وجود التعددية الحزبية، لكن تلك التعددية السياسية ظلت صورة مصغرة للكيان الكبير تعكس النفسية المزاجية والاجتماعية للمجتمع، مما جعل تلك الفئات رمزًا للفساد السياسي، وأنتجت لنا جيلًا لا يعرف إلى أين يسير.
وبدأ الجرح يكبر وينزف دم الأبرياء من هذا الشعب المعطاء بأرضه وثرواته، وعاش صراعًا آخر تتحكم فيه القوى الخارجية، من خلال تدخلها المباشر، مما أدى إلى تدهور حياة الإنسان...
إن المشاكل التي يعاني منها الإنسان في هذه البلاد وُلدت مع الحكم الأمامي الكهنوتي المستبد، ومع الاستعمار البريطاني لعدن، ثم نمت هذه المشاكل على يد الفاسدين.
كانت هذه البلاد قبل الحكم الأمامي والاستعمار البريطاني منارة تضيء سماء الجزيرة العربية بمدنها التاريخية، محطات تتقاسم الفن والثقافة والتجارة، ورموزًا للعلم والمعرفة، وكانت تزخر بالعلماء، وكانت محطة يتزود منها المسلمون في العالم الإسلامي.
إن أخطر ما نتجاهله اليوم هو الانقسام الفكري، الذي زرعه الاستعمار والقوى الخارجية. لقد خضعت التجربة السياسية الحديثة في البلاد كدولة واحدة لصراعات محتقنة وحروب دامية لا تعير الحقوق أي اعتبار، وكان الانتقام هو شعارها المؤسف.
إن القوى التي ترفع اليوم شعار الحرية هي نفسها التي ساهمت في إنتاج ما نراه اليوم، فقد صنعت حكومات فاشلة وتركت تركة ثقيلة. إن القوى التي تتحكم بالواقع اليوم لا تخطئ حين تنتقد الماضي، ولكن اللوم يقع على من حكم البلاد وأوصلها إلى هذه المهالك.
إن المواطن البسيط الذي فقد كل شيء ودفع أثمانًا باهظة في سبيل العيش بكرامة، بينما يرى حكامه لا يستطيعون العيش إلا في الفنادق والشقق المفروشة الباهظة التكاليف. نعم، فقد كانت هناك رموز في البلاد من أشخاص مخلصين، لكنهم دفعوا ثمن صمودهم مثل غيرهم من أبناء هذا الشعب.
إن الوحدة التي يفتخر بها الآخرون ليست شيئًا مقدسًا، بل الأهم هو البحث عن الاستقرار والعيش بكرامة.
لقد عشنا سابقًا كدول، وكان الحب هو الرابط الذي يجمعنا، وكان كل واحد منا يدعم الآخر حتى في أوقات النزاع. يجب أن ندرك، بعد كل تلك التجارب التي مررنا بها، أنه لا ينبغي علينا العيش على حساب الآخر أو الأضعف بيننا، ومن الضروري أن نعمل على بناء مجتمع نقي خالٍ من كل الشوائب التي التصقت به عبر مراحله الصعبة، لقد عانى المواطن العادي من أقسى الظروف بين شعوب العالم.
فكفى ظلم واستبداد...


