المملكة العربية السعودية وتبنيها للحوار الجنوبي الجنوبي كواجب وطني

تشكل العلاقة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية نسيجًا فريدًا في نسيج العلاقات العربية والإقليمية. فهي ليست مجرد علاقة جوار جغرافي تحدها حدود برية وبحرية طويلة ومتداخلة فحسب بل هي علاقة تاريخية ضاربة في عمق القرون، قوامها أواصر القربى والدم واللغة والدين وتشكلها مصالح مشتركة وحقائق استراتيجية لا يمكن تجاوزها هذا التداخل العضوي جعل المملكة على الدوام، شريكاً رئيسياً لا غنى عنه لكل اليمنيين شمالاً وجنوباً وملاذاً أمناً في أوقات الشدة، وداعماً أساسياً في مسارات البناء والإعمار.

وانطلاقاً من هذا المنطلق وإدراكاً منها بأن أمن واستقرار اليمن هو جزء لا يتجزأ من أمنها القومي واستقرار المنطقة بأسرها تبنت المملكة العربية السعودية دور الوسيط الأمين والحريص في الأزمة اليمنية المستعصية ولم تقتصر رؤيتها على الجوانب السياسية والعسكرية فحسب بل امتدت إلى الجذور الاجتماعية والمكونية للصراع ومن هنا  جاء اهتمامها البالغ بـ الحوار الجنوبي الجنوبي ليس كخيار تكتيكي عابر، بل كواجب وطني وأخوي تنبع أسبابه من عدة اعتبارات جوهرية.

أن اعتبارات الأمن والاستقرار الإقليمي يعد جنوب اليمن بموقعه الاستراتيجي المطل على باب المندب والبحر الأحمر شرياناً حيوياً للتجارة العالمية وأمن الطاقة. أي اضطراب فيه ينعكس سلباً على الملاحة الدولية وأمن الدول المجاورة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية لذا فإن دعم الحوار بين مكونات الجنوب اليمني لتحقيق رؤية مشتركة مستقرة هو استثمار في أمن البحر الأحمر والمنطقة.

 لم تتاخر المملكة العربية السعودية في  الواجب الإنساني والأخوة العربية لطالما كانت السعودية الملاذ والمستشفى والمدرسة للآلاف من اليمنيين. استقبلت مواطنيها الأشقاء في أوقات السلم والحرب، وقدمت الدعم الإغاثي والإنساني على أعلى مستوى. هذا الواجب الإنساني يمتد ليشمل مساعدتهم على تجاوز خلافاتهم الداخلية وبناء مستقبل أفضل لأبنائهم. رعاية الحوار الجنوبي هي تجسيد عملي لهذه الأخوة سعياً لوقف معاناة الناس وتمكينهم من حكم أنفسهم بأنفسهم.

دعم الشرعية والتماسك الوطني اليمني تؤكد السعودية على احترامها لسيادة اليمن ووحدته واستقلاله وترى أن تحقيق الاستقرار الدائم يمر عبر إيجاد صيغة توافقية داخلية تحفظ حقوق جميع المكونات بما فيها المكون الجنوبي. الحوار الجنوبي الجنوبي، تحت رعايتها هو محاولة جادة لمساعدة الجنوبيين على توحيد رؤيتهم وصفوفهم ليس بالحروب الجانبية  بل للمشاركة الفاعلة والشراكة الكاملة في بناء دولة يمنية اتحادية قوية وعادلة قادرة على النهوض.

مواجهة المشاريع التخريبية الخارجية في ظل وجود أجندات إقليمية ودولية تسعى لاستدامة الفوضى في اليمن لتحقيق مصالحها، تبرز رعاية السعودية للحوار كخط دفاع ضد هذه المشاريع. بتجميعها للجنوبيين على طاولة حوار واحدة تحرم المملكة تلك القوى الخارجية من اختراق المكون الجنوبي وتوظيف انقساماته لخدمة أغراضها مما يصب في النهاية في صالح اليمن وأمن الخليج العربي.

لقد استمرت المملكة وعلى مدى عقد من الزمن في رعاية هذا المسار الحواري بصبر وأناة، واستضافة جميع الأطراف وتذليل العقبات المالية واللوجستية والسياسية أمامه. هذا الالتزام الطويل الأمد لم يأتِ من فراغ بل هو ترجمة لإيمان راسخ بأن السلام الحقيقي والاستقرار الدائم لا يمكن أن يفرضا من الخارج بل يجب أن ينبثقا من إرادة أهل اليمن أنفسهم عبر حوارات شاملة وصادقة.

ختاماً فإن تبني المملكة العربية السعودية للحوار الجنوبي الجنوبي يمثل نموذجاً فريداً للدبلوماسية القائمة على المسؤولية التاريخية والأخوة العميقة والمصير المشترك. إنه واجب وطني تقوم به تجاه جار وشقيق ملتصق بهمومه وآماله إن النجاح في هذه المساعي لن يكون انتصاراً لجانب على آخر بل سيكون انتصاراً لليمن بأكمله ورسالة واضحة بأن المستقبل ينتمي للحوار والوئام وليس للصراع والتشرذم. وما زال الأمل معقوداً على أن تساهم هذه الجهود المتواصلة بإرادة يمنية خالصة ودعم سعودي مخلص في تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة التي طال انتظارها، ليعود اليمن آمناً مستقراً، مشاركاً في ركب التنمية والازدهار الذي تشهده المنطقة.