الأمن حين يغيب النظام
بقلم: حسن الكنزلي
ليس الأمن ترفا يُؤجّل، ولا مطلبا ثانويا يُستدعى بعد الشِّبع؛ بل هو أصل الحياة وعمود الاستقرار. إذا ضاع الأمن؛ تهاوت القيم، وتكسّرت النفوس، واضطربت العقول، وتبددت الأموال، وانتهكت الأعراض! لذلك قدم الوحيُ الأمن على الرخاء؛ لأن الجائع قد يصبر، أمّا الخائف فلا حياة له؛ ومن هنا كانت نعمة الأمن جامعة لكل نعمة، وبدونه لا يستقيم دين ولا دنيا.
وقد تمر الأمم بظروف اضطراب، وقد تضعف الدولة أو تغيب بعض سلطاتها؛ لكن التكليف لا يغيب؛ لأن الذي كلّف هو الله. فإذا عجزت جهة عن أداء واجبها كاملا؛ لم يسقط الواجب عن المجتمع؛ بل انتقل إليه بقدر الاستطاعة؛ فالفرق كبير بين غياب النظام وغياب الضمير: قد يختل الأول؛ لكن لا يجوز أن يموت الثاني. وحفظ النظام عند الفوضى مسؤولية مشتركة؛ إن قام بها من يكفي؛ سقط الإثم عن الباقين، وإن تُركت؛ أثِم الجميع؛ لأن تركها فتح لباب شر لا يُغلق.
الأمن في الإسلام ليس شعارا سياسيا؛ بل معنى شرعي شامل؛ حماية للضرورات التي تقوم عليها الحياة؛ ومن هنا فإن الاعتداء على المال العام والمرافق العامة ليس “غضبا مفهوما” ولا “احتجاجا مشروعا”؛ بل عدوان على حق مشترك للأمة كلها؛ فالطرق والمستشفيات والمياه والكهرباء ليست ملكا لفئة، ولا رهينة نزاع؛ هي حياة الناس. من يخرّب مرفقا عاما إنما يعتدي على طفل ينتظر ماء، ومريضٍ ينتظر علاجا، وفقير لا بديل له.
وليس كل غضب حقا، ولا كل احتجاج إصلاحا. القرآن فرّق بوضوح بين الإصلاح والإفساد؛ فالتخريب يوسّع دائرة الضرر ويصيب الأبرياء. وإذا اشتعلت الفوضى لم تميّز بين ظالم وبريء. والأخطر من التخريب تبريره أخلاقيا أو تديينه؛ فالله لا يُطاع من حيث يُعصى، ولا يُنصر الحق بباطل.
المال العام أمانة في أعناق الجميع، والسكوت عن الاعتداء عليه مشاركة صامتة؛ لأن المنكر إذا تُرك تمدد. حماية الطرق والمرافق والمنشآت ليست “تدخلا زائدا”؛ بل حماية للحياة نفسها، والتعاون المطلوب تعاون منضبط، يحرس القيم قبل الحجارة، ويمنع اللصوص والمخرّبين قبل أن يستفحل شرهم.
ومن حقائق الفوضى المؤلمة أن الجريمة لا تستمر؛ إلا لأن لها سوقا تستقبلها؛ فاللص لا يعمل وحده؛ معه مشتر، ومبرِّر، وساكت رضي أن يكون شاهد زور. قطع سلسلة الحرام واجب من أولها وآخرها؛ لا ننهب، ولا نشتري، ولا نسكت. السوق السوداء ليست بيعا وشراء؛ إنها وقود الفوضى وبوابة خراب البيوت.
ومن أخطر ما يُسوّغ به الحرام منطق مسموم: “إن لم آخذها أنا أخذها غيري”. هذا قلب للدين وتحويل للذنب إلى سباق. الشرع فرّق بين الضرورة والعدوان؛ فالضرورة تُقدَّر بقدرها لدفع الهلاك، لا لتحصيل المكاسب. وإذا سقط الحياء من الذنب بدأ الانهيار الأخلاقي؛ حين تُسمّى الخيانة “فرصة” والحرام “شطارة”.
ومنع اللصوص واجب؛ لكن بضوابط العدل لا بهوى الغضب. لسنا مأمورين بفوضى مضادة ولا بعدالة فردية تفتح باب الدم. العدل واجب مع القريب والبعيد، ولا يجوز أن تتحول الحماية إلى ظلم جديد. المطلوب حزم يحفظ الناس؛ لا بطش يضاعف الشر.
وفي زمن الفوضى تتوزع المسؤولية ولا تضيع؛ العلماء والدعاة واجبهم البيان وكسر موجة التبرير. والوجهاء والعقلاء واجبهم إطفاء نيران الثأر وجمع الكلمة. والشباب درع المجتمع لا معاول هدمه؛ قوتهم في الحماية والتنظيم. والأسرة المدرسة الأولى لغرس احترام المال العام وصيانة الطريق. والمجتمع المحلي حين ينظم نفسه تعاونا وعدلا يسدُّ الفراغ ويمنع تمدد الفوضى.
والأمن لا يبدأ من الشارع؛ بل من القلب. إذا صلح الضمير؛ استقامت الجوارح، وإذا مات الضمير؛ فلا جدار يمنع السقوط. الأمانة عماد الاستقرار؛ في المال العام، في الطريق، في المدرسة، في المستشفى، في كل ما يشترك فيه الناس. وأخطر ما نفعله تطبيع التخريب في وعي الأجيال؛ أن يرى الطفل كسر المرفق بطولة وسرقة العام ذكاء.
والفوضى إذا تُركت؛ صارت نمط حياة، وصعدت العصبيات، وضاعت حقوق الضعفاء أولا. وتفتت الداخل أعظم هدية لأطماع الخارج؛ فالبلاد التي لا تحمي نفسها؛ تُستباح. وانهيار الثقة بين الناس أخطر من انهيار المؤسسات؛ لأن الثقة إذا سقطت طال ليلها.
ورصد الجريمة بقصد الحماية ليس وشاية؛ بل تعاون على البر. التبليغ إصلاح، والصمت تواطؤ. واستعادة المنهوب عدل؛ لا انتقام. ولا عدل مع صمت، ولا إصلاح مع تبرير.
فيا صاحب القلب الحي! لا تهدم وطنك بيدك. الغضب لا يبرر الحرام. حماية الأمن والمرافق عبادة ومسؤولية؛ لأنها صيانة لحياة الناس. وإذا غابت الدولة؛ فلا يغيب الضمير؛ فالضمير الحي دولة في صدر صاحبه. والتوبة المجتمعية طريق النجاة؛ اعتراف بالخطأ، وردٌّ للمظالم، وإصلاح لما أُفسد.
والأمن لا يُستجدى؛ بل يُصان بالقيم، والمجتمعات الحية تحمي نفسها لتقيم دولتها. والعدل والأمانة أساس عودة الأمن. وسيُسأل كلُّ واحد عن ماله وأمانته؛ فليجدنا الله على قدر المسؤولية؛ حين تختبر القيم، وعلى قدر الأمانة؛ حين تعصف الفوضى.
نسأل الله أن يحفظ بلادنا وأهلها، ويكفنا شر الفوضى والفساد، والظلم والاعتداء، والنهب والتخريب... ودمتم سالمين!


