عدن.. المدينة التي تنزف بصمت

بقلم: منصور بلعيدي_

في زوايا التاريخ اليمني الحديث، تبرز عدن كمدينة دفعت أثمانًا باهظة في صراعات لم تكن يومًا من صُنع يدها. منذ أن وقعت تحت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، دخلت عدن نفقًا مظلمًا من التهميش، والانهيار الخدمي، والتراجع الحضاري، حتى بدت وكأنها تُسحب قسرًا إلى ما يشبه العصر الحجري.
عدن، التي كانت يومًا منارة للتمدن والانفتاح، تحولت إلى ساحة صراع سياسي وعسكري، تُدار فيها المصالح بعيدًا عن إرادة أبنائها. 
ومع كل موجة ألم تمر بها المدينة، كان الأمل يحدو سكانها بأن يأتي يوم تُنصف فيه، ويُعاد لها شيء من الاعتبار، لا سيما من قبل الأشقاء في المملكة العربية السعودية، الذين لعبوا دورًا محوريًا في المشهد اليمني.

لكن خيبة الأمل تتجدد مع كل قرار يتجاهل أبناء عدن، ومع كل تعيين لا يراعي خصوصية المدينة وتاريخها ونسيجها الاجتماعي. ألم يكن من أبسط أشكال الإنصاف أن يُعيَّن محافظ من أبناء عدن، ممن يعرفون شوارعها، ويشعرون بنبض ناسها، ويملكون حسًا حقيقيًا بالمسؤولية تجاهها؟

المدينة التي صمدت في وجه الحروب، وتحملت أعباء النزوح، وواجهت الانهيار الاقتصادي، تستحق أكثر من مجرد كلمات تعاطف. تستحق عدن أن تُعامل كعاصمة مؤقتة لدولة، لا كغنيمة سياسية. تستحق أن تُدار بكفاءة، وأن تُمنح فرصة للتعافي، وأن يُصغى لصوت أبنائها الذين ما زالوا يرفعون شعار "نريد عدن للجميع، لا لفئة دون أخرى".

إن السؤال الذي يطرحه الشارع العدني اليوم ليس سياسيًا بقدر ما هو إنساني: *هل من إنصاف لعدن؟* وهل من أمل في أن ترى هذه المدينة النور بعد كل هذا الظلام؟
عدن لا تطلب المستحيل، بل تطلب فقط أن تُعامل بعدل، وأن يُعاد لها حقها في الحياة الكريمة، والإدارة الرشيدة، والمستقبل الذي يليق بتاريخها ومكانتها.