الكرامة الوطنية: في قوة الشعوب التي تركها حكامنا.

بقلم: حسين السليماني الحنشي.

عندما يدرك الحاكم أن الكرامة الوطنية أقوى من القوى الخارجية، فإنه يلجأ إليها. لكن هذا ليس هو الحال مع حكامنا، فالشعوب التي تفتقر إلى المحسوبية تبني قيادتها من القاعدة الشعبية، كما أن النخب الحاكمة تكرس جهودها لاستعادة كرامة شعبها، وليس لكرامتها كأفراد. وبالتالي، لا تستطيع القوى الكبرى إخضاعها حتى وإن كانت تمتلك جيوشًا ضخمة وتقنيات عسكرية متطورة. صحيح أن القوى الخارجية قد تتمكن من تدمير المصالح واغتيال الرؤساء، لكنها لا تستطيع البقاء، ولنا في غزة مثال يُحتذى به. فقد تم اعتقال واغتيال قيادات من الصف الأول، لكن الشعب يراقب تلك القيادات وهي تقدم أبناءها قربانًا لتحقيق أهداف شعبها في نيل حريته. إن أمريكا، التي استطاعت أن تأخذ رئيس دولة كاملة السيادة من غرفة نومه في عملية لم تستغرق نصف ساعة، هي نفسها التي عجزت، ومن خلفها أقوى دول العالم، عن الوصول إلى أسير واحد في قطاع غزة، الذي لا تتجاوز مساحته مساحة قرية من قرى فنزويلا. إن كل هذه العظمة في غزة جعلت مساحتها أكبر من مساحة أمريكا معنويًا!

علينا أن نتذكر أيضًا ما حدث في عام 1993 في عاصمة الصومال، مقديشو، عندما خرجت قوات أمريكية مدربة بأعلى مستوى من المعدات العسكرية التي لم تكن متاحة للصومال، والذي كان يمر بمرحلة حرجة من الانقسام والحرب الأهلية. كانت تلك القوات قد نُقلت إلى "مقديشو" لاعتقال الجنرال "عيديد" بسبب استهدافه للأمريكيين، لكن جماعة "عيديد" إلى جانب الصوماليين أسقطوا مروحيتين وقتلوا ثمانية عشر جنديًا أمريكيًا وجرحوا ثلاثة وسبعين آخرين في شوارع مقديشو. حينها، أجبرت أمريكا على الانسحاب الكامل من الصومال مع إذلال تاريخي لا يُنسى، رغم تفوقها التقني والعسكري. لكن هذا التفوق واجهته قاعدة شعبية ضد أمريكا.

واليوم، يتداول الناس أخبار اختطاف رئيس دولة مع زوجته في ساعات. إن أخطر ما كشفه هذا الحادث ليس قوة الخارج، بل هشاشة الداخل. فالأنظمة التي تُفرض على شعوبها بالقوة الأمنية وتُدار بالريبة وتعيش في قطيعة مع مجتمعها، هي في الحقيقة أنظمة مجوّفة من الداخل، وسريعة الانهيار عند أول ضربة. وقد لاحظنا ذلك في حكام دول كثيرة انهارت في لحظات، لأن الحاكم محاط بالأجهزة الأمنية لا بالشعب، ومحصن بالجدران لا بالثقة، وتُشترى الولاءات بدلاً من أن تُبنى، وتُقام مهرجانات مليونية بالدفع المسبق لتلميع شخص الحاكم أمام العالم في أجهزته الإعلامية. إن اختراق النظام المستبد لا يحتاج إلى جيوش ضخمة، بل يحتاج إلى زر يحدده الغازي في الوقت الذي يختاره.

إن تآكل الأنظمة المغلقة على نفسها دون مشاركة شعبية، جعل أغلب شعبها يعيش في صمت وخوف، إلى جانب التهميش لفئات المجتمع المدني. إن الأنظمة التي تختبئ خلف شعوبها تستمد قوتها من القاعدة والمشاركة الواسعة، لا تستمدها من القبضة الأمنية، حيث لا يمكن اختراق تلك الأنظمة بسهولة ولا تسقط بكل بساطة، أو بعملية خاطفة، لأنك لا تواجه فيها نظامًا فقط، بل شعبًا بأكمله. فقد تُهزم جيشًا عسكريًا، لكن لا تُختطف أنظمة تحتميها شعوبها. نعم، قد يُغتال زعيمها، ولكن لا يُختطف نظامها وله عمق اجتماعي حقيقي ليس في الإعلام.

إن كل نظام يعزل نفسه عن شعبه، ساقط لا محالة، بل الشعب هو من يفرح بسقوطه ويرقص على جثث حراسته. وأي نظام يصالح شعبه، يصبح عصيًّا وتكاليف فاتورة إسقاطه باهظة. لقد وجدنا في صفحات التاريخ أن القوة في كثرة الأجهزة الأمنية والقبضة الحديدية وصرامة القوانين، وطول مدة الحكم، ولم تترك لشعبها بصيص أمل في الحياة، فهي ساقطة.
عكس الأنظمة التي تختبئ وراء شعوبها وتستمد قوتها من القاعدة الشعبية، فإنها لا تسقط بسهولة، حيث تواجه شعبًا بأسره. التجارب علمتنا أن القوة ليست في كثرة الأجهزة الأمنية، بل في مدى ارتباط الأنظمة بشعوبها.