الوطن الذي دفع ثمن المجاملة

ليس أخطر ما يواجه الأوطان هو العدو الظاهر، ولا الخراب الذي تتركه الحروب، بل ذلك الصمت الثقيل الذي يسكن صدور أبنائها حين يرون الخطأ ولا يتكلمون، والفساد ولا يعترضون، والانحراف ولا يقفون في وجهه.
الوطن لا يسقط فجأة بل يسقط تدريجيًا، حين يتحول الظلم إلى أمرٍ معتاد، وحين يصبح الفشل وجهة نظر، وحين تغلف الأخطاء الكبيرة بشعارات براقة تخدع البسطاء وتسكت العقلاء.
في كل مرحلة حرجة من تاريخ الشعوب، يكون هناك مفترق طرق:
طريق سهل، مليء بالمجاملات، يمر عبر الصمت والتبرير والتكيف مع الخطأ. وطريق صعب، محفوف بالخسائر، لكنه وحده القادر على إنقاذ ما تبقى، طريق المواجهة، والوضوح، وتحمل المسؤولية.

المؤلم أن كثيرين يعتقدون أن الوطنية تعني الاصطفاف الأعمى، وأن النقد خيانة، وأن السؤال جريمة. وهكذا تختطف الأوطان باسم الدفاع عنها، ويقتل الوعي باسم الحفاظ على الصف، وتكمم الأفواه بحجة “الظرف الحساس”.
لكن الأوطان لا تبنى بالخوف، ولا تحمى بالتقديس الأعمى، ولا تنقذ بالهروب من الحقيقة.

الوطن يحتاج إلى مواطن يقول “لا” حين يجب أن تُقال، وإلى نخبة تراجع نفسها قبل أن تُحاسب، وإلى إعلام يُنير العقول لا يُخدرها،
وإلى قيادة تفهم أن الكرسي ليس غاية، بل أمانة ثقيلة.والتاريخ لا يرحم، ولا ينسى.
سيسجل من وقف، ومن صمت، ومن برر، ومن استفاد، ومن دفع الثمن.
وسيسأل الجميع سؤالًا واحدًا:
أين كنتم حين كان الوطن ينزف؟
حينها، لن تنفع الشعارات، ولا البيانات، ولا الأعذار المتأخرة.
الذي ينفع فقط هو الموقف الذي اتخذ في الوقت الصحيح.

المطلوب الآن لا حياد عن الدولة، وخصوصا في هذه المرحلة الفاصلة، لم يعد الصمت مقبولًا، ولم يعد الوقوف في المنتصف خيارًا.  
يجب أن يكون لكل مواطن شريف موقف واضح: الوقوف إلى جانب الدولة، والنظام، والقانون، ورفض الفوضى، والحروب، والانقسامات التي مزقت البلاد وأهلكت العباد.

المناطق المحررة لن تستقر إلا بشراكة الجميع. وكل فرد مسؤول، وكل مواطن عليه واجب أن يشارك في حماية أمنه، وتأمين مجتمعه، والوقوف إلى جانب مؤسسات الدولة، لا ضدها.ولا بد أن ننهي زمن الحروب الداخلية، ونترك السلاح، وننحاز للعقل، وندفع جميعًا باتجاه وطن آمن مستقر يعيش فيه الجميع بعدل ومساواة، والفرصة أمامنا اليوم، فلنكن في صف الدولة، لا على هامشها.