من معاهدة سيفر إلى مجلس ترامب للسلام
لم تعد هرولة الأنظمة العربية تجاه المبادرات والمشاريع الغربية امراً خفياً بل أصبح سلوكاً سياسياً يتكرر مع كل مبادرة أو مشروع يطرح من قبل الدول الغربية تحت شعارات زائفة "السلام و الشراكه والإستقرار والازدهار و مكافحة الإرهاب"
غير أن الجوهر الحقيقي لهذه الشعارات ماهو إلا غطاء قانوني وسياسي لخدمة المشاريع الغربية، والكارثة الكبرى حين تتصدر نخب مثقفة الترويج لهذه المشاريع ، بالأمس ومن على منبر قناة الجزيرة و في برنامج الإتجاه المعاكس مع (فيصل القاسم) التي تناولت مجلس سلام ترامب مع كلاً من الإعلام الدكتور محمد بكر الذي كان بحق صوت الأمة معبراً عن قضاياها ، كاشفاً أبعاد ومخاطر مجلس ترامب للسلام الهادف إلى تقويض فكرة الدولة الفلسطينية ، مستنداً على مسار تاريخي ، وعلى الجانب الآخر الإعلامي رامي نعيم ، الذي قبل على نفسه أن يكون مهرج و بوق لمجلس السلام واصفاً ترامب برجل السلام الذي سيأتي بالخير على الشعب الفلسطيني ، اي سقوط إخلاقي لهذا الساذج وأمثاله فما تزال اسرائيل تركتب أبشع المجازر بحق الشعب الفلسطيني أخرها صباح يوم الأربعاءمن الأسبوع الفائت .. تجاوزت قواعد القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان و بغطاء امريكي وعلى مرأى ومسمع من ترامب ، فمنذ مؤتمر بازل عام 1897م بسويسرا إلى إتفاقية سايكس بيكو إلى وعد بلفور إلى معاهدة سيفر وصولاً إلى مجلس ترامب للسلام ، المشروع والمخطط والهدف واحد "فقط" تتبدل الادوات.
لقد سبق وأن تناولت معاهدة سيفر في مقال تحت عنوان (هندسة الفوضى الخلاقة مدخل لإعادة رسم الخرائط) من حيث أنها تمثل اخطر معاهدة في التاريخ الحديث دون الخوض في تفاصيلها وفي هذا المقال ، ساتطرق إليها بشيئ من التفصيل من باب المقارنة
مجلس ترامب "للسلام" الذي يعد نسخه محدثة من معاهدة سيفر ، التي وقعت بعد الحرب العالمية الأولى وتحديداً عام 1920م بين الدولة العثمانية والحلفاء...في لحظة ضعف للدولة العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى وقد لعب الشريف حسين دور محورياً في إضعافها مما أدى إلى هزيمتها.. بإعلانه الثورة على الدولة العثمانية عام 1916م تحت مبرر العنصرية والقمع والإضطهاد ، وبدعم وإسناد مباشر من بريطانيا.. فأعلن بنفسه إن أول رصاصه ستطلق على القلعة العثمانية في مكة ، فشكلت ثورته جبهه داخلية أنهكت الجيش العثماني الذي كان يقاتل على عدة جبهات ، وهذا مكن الحلفاء من هزيمتها، و بسقوط الدولة العثمانية تفككت وحدتها وضعف وجودها في المشرق العربي و مهدت الطريق لإغتصاب فلسطين ، واستغلت بريطانيا وفرنسا الوضع وذهبت بتجاه تحقيق مصالحها الاستعمارية و تقسيم العالم العربي إلى كيانات مجزأة ، و تبخرت الوعود البريطانية للشريف "حسين" بإقامة دولة عربية و تنصيبه ملكاً عليها ، الأمر الذي أدخل العالم العربي والإسلامي في فراغاً سياسياً وبقت بلا مشروع إلى اليوم
وليس هذا موضوعنا ولكن كان لابد من إستحضار ثورة الحسين التي وظفت كأداه لإسقاط الدولة العثمانية ، دفع ثمنه العرب إلى اليوم إلا أن بعض الأنظمة العربية تأبى إلا أن تكون أدوات بيد الغرب لخدمة المشاريع الغربية ، و بالعودة إلى معاهدة سفير التي جاءت إمتداداً عملياً لإتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور "كنموذج مبكر لمشروع تفكيك الدول العربية والإسلامية" ،ما تزال أبعادها ومخاطرها إلى اليوم ،وبأشكال جديدة من حيث أنها حوت أبعاد سياسية و عسكرية وجغرافية رسمت نهاية الدولة العثمانية ، وكرست منطق التقسيم ، و منحت غطاء قانوني للتدخل العسكري والسياسي ونزعت السيادة عن الدولة العثمانية ، وقسمت الأرض وحولتها إلى كيان ضعيف وتابع سياسياً ، بل وفرضت شروط قسرية كتفكيك الجيش مع الإبقاء على قوة رمزية منزوعة السلاح الثقيل "لضمان عدم عودة الدولة العثمانية" إلى قوة إقليمية مستقبلا
ًلم تكن معاهدة سيفر مبادرة سلام عابرة بل أنها تأتي في إطار المشاريع الغربية التي تهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط اليوم ، وبعد قرن وستة أعوام تقريباً يتكرر المشهد ذاته و بأدوات مختلفة، وبمنطق واحد ، و سياق مختلف شكلاً لكن مضمونه يتطابق من حيث الجوهر ، فمجلس ترامب للسلام والإستقرار والازدهار الإقتصادي لا يمثل إطار حقيقي لصناعة سلام دائم كما يزعم ترامب بل هو أداة سياسية لإعادة هندسة الصراع العربي الإسرائيلي وفقاً للرؤية الإسرائيلية ، لضمان تأمينها إستراتيجياً لعقود قادمة ، وتحويلها من كيان (محتل) إلى كيان شريك و فاعل في الشرق الأوسط لفرض وقائع جديدة تترجم التفوق الإسرائيلي وتفكيك اي تصور لأمن قومي عربي جماعي مستقبلاً ،
فمعاهدة سيفر ومجلس ترامب وجهان (لعمله واحدة) ، فمعاهدة سيفر مهدت الطريق لتفكيك الدول العربية والإسلامية ، ومجلس ترامب يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية ذاتها جغرافياً و تاريخياً وسياسياً ، ونزع سلاح المقاومة للإبقاء على كيان منزوع الإرادة و السيادة
وتجسيداّ لذلك أختار نيكولاي فلادينوف لإدارة قطاع غزة ، ومنحه صلاحيات واسعة بحكم خبرته الطويلة كونه متخصص في الوساطة الدولية و إدارة الازمات ، فأين حكام الأنظمة العربية
من مؤتمر باندونغ عام 1955م الذي كان أول مؤتمر دولي بهذا الحجم من المشاركة ، والتي سعت اسرائيل لإستثماره للحصول على شرعية سياسية و دولية ، ورفض طلبها بعتبارها كيان "محتل لأرض فلسطين مدعوم من الدول الغربية" ، ورغم الضغوط التي مورست من قبل قادة الدول الغربية الداعمة لها للحصول على مشاركة في المؤتمر ، إلا أن الزعيم (جمال عبد الناصر) رحمة الله عليه الخالد في ذاكرة التاريخ ووجدان الشعوب كان له "موقفاّ صلباً رافضاً الإعتراف باسرائيل" وبقت جولدا مائير خارج القاعة ، ولم يكتفي عبد الناصر بذلك بل عمل مع نهرو وسكارنو وشون لاي على عزل إسرائيل واغلقوا اي حضور أو شرعية للكيان الصهيوني ، وبقت معزولة سياسياً وإخلاقياً مما جعل جولدا مائير تصرح بأن مؤتمر باندونغ كان من أكثر المؤتمرات عزلاً لإسرائيل ، إنه زمن القادة العظماء زمن قادة يصنعون المواقف دون إنتظار الأذن ، في زمن قادة الدول العربية الشجب والإستنكار والهرولة ، وبهذا حققت اسرائيل ما لم تستطيع تحقيقه في زمن القادة العظماء زمن قادة يصنعون تاريخهم الطويل رحمة الله عليهم جميعاً.


