غياب الميسري.. وتحذير من تكرار أخطاء الوكالة

في لحظة إقليمية دقيقة، ومع تعقّد المشهد اليمني وتراكم خيبات التجارب السابقة، يبرز غياب شخصيات وطنية وقيادية وازنة عن دوائر التأثير، وفي مقدمتها أحمد الميسري، كإشارة لا يمكن تجاهل دلالاتها. فالميسري، بتعبيرات وجهه الصادقة وحدّة حضوره السياسي، لم يكن يومًا رجل مجاملات، بل صاحب موقف، ينطلق من إحساس عميق بالمسؤولية الوطنية ومن “ذكورية الزعامة” التي لا تعرف المواربة ولا تقبل أن تُدار الأوطان بعقلية التبعية والولاءات المؤقتة.

إن إعادة ترتيب المشهد اليمني عبر تعيين قيادات ضعيفة أو بلا قاعدة شعبية ولا أدوات تأثير حقيقية، لا تصنع استقرارًا ولا تؤسس لشراكة صلبة، بل تعيد إنتاج الفشل ذاته الذي قاد إلى إطالة أمد الأزمة. التجربة الإماراتية في استنساخ نماذج “كرزاي” محليين، قائمين على المال والنفوذ المصطنع، أثبتت أن شراء الولاءات لا يصنع دولة، ولا يبني هيبة، ولا يحقق أمنًا مستدامًا.

السعودية اليوم أمام اختبار تاريخي. فهي ليست بحاجة إلى أن تُدار ملفات اليمن بعقلية الوكيل أو الممول فقط، بل بعقلية الشريك الإستراتيجي الذي يراهن على القادة الأحرار، وعلى القوى الوطنية الصادقة، وعلى مشروع دولة لا على شبكات مصالح. اليمن لا يحتاج المال بقدر ما يحتاج القائد الحر، والدولة الجامعة، والشراكة الحقيقية التي تقوم على الندية والاحترام المتبادل.

إن تغييب شخصيات بحجم الميسري، وإبعاد قيادات ميدانية وسياسية من وزن أبناء أبين وغيرهم ممن راكموا حضورًا ونفوذًا وتاريخًا في معركة الدولة، لا يبشّر بخير. فالدول لا تُبنى بتصفية الرموز، ولا بتهميش أصحاب المواقف، بل باحتضانهم وإشراكهم في صياغة الحل، لا استبدالهم بواجهات هشة.

الرسالة إلى الرياض واضحة: لا تقعوا في مأزق تكرار تجربة الإمارات، ولا تراهنوا على ولاءات تُشترى، فهذه سرعان ما تتبدّد مع أول تغيّر في موازين القوة. راهنوا على الشركاء الحقيقيين، على القادة الأحرار، وعلى مشروع وطني جامع. فالسعودية أكبر من أن تُختزل في دور ممول، وأعظم من أن تُفرّط في هيبتها أمام اليمنيين عبر صناعة قيادات بلا وزن ولا رؤية.

اليمن اليوم بحاجة إلى إعادة صياغة شراكة صادقة، لا إعادة تدوير أو ترتيب شكلي. بحاجة إلى قادة يقولون “لا” حين يجب أن تُقال، ويقفون مع الدولة لا مع الغنيمة، ومع الوطن لا مع الصفقة. وفي هذا السياق، يبقى غياب الميسري علامة استفهام كبرى، وتحذيرًا مبكرًا من مسار إن لم يُصحّح، فقد يعيد إنتاج الأزمة بأدوات جديدة، ولكن بالنتائج ذاتها.