مشهد سياسي جديد يتكون ومريس وتضحياتها في مهب الريح
اليوم يعاد تشكيل المشهد السياسي في اليمن على طاولات التفاهمات والصفقات، تقف منطقه مريس محافظه الضالع كغيرها من مناطق التماس والتضحية خارج الحسابات، وكأن دماء أبنائها كانت تفصيلًا عابرًا لا يستحق أن يكون حاضرًا في معادلة المرحلة القادمة.
مريس لم تكن يومًا هامشًا في معركة الوطن، بل كانت في قلب النار. قدمت الرجال قبل الشعارات، والثبات قبل الخطابات، وصمدت حين تراجع كثيرون، ودافعت عن بوابة الجنوب والشمال معًا في لحظات كان الانكسار فيها أقرب من الأمل. ومع ذلك، يبدو اليوم أن كل هذا يُدفع جانبًا، بلا تمثيل عادل ، ولا ضمانات تحمي ما دُفع ثمنه بالدم.
المقلق في هذا المشهد الجديد لا يقتصر على تغير التحالفات أو تبدل الأولويات، بل يتجسد في منطق إدارة التضحيات: من ضحى يُطلب منه الصمت، ومن غاب عن الميدان يُكافأ على الطاولة. هكذا تُعاد صياغة السياسة، لا على أساس من صمد، بل على أساس من فاوض، ولا على من واجه الموت، بل على من أتقن الحسابات.
إن تجاهل أبناء مريس اليوم لا يعني تهميش منطقة بعينها، بل توجيه رسالة خطيرة لكل ساحات التضحية في الوطن: أن الدم لا يصنع قرارًا، وأن الصمود لا يضمن حقًا. وهذه أخطر فكرة يمكن أن تُزرع في وعي الناس بعد سنوات طويلة من الحرب والمعاناة.
المشهد السياسي الجديد، إن لم يُبنَ على الاعتراف الحقيقي بتضحيات أبناء مريس، وإنصاف من حملوا العبء، وحماية حقوق المناطق التي كانت خطوط الدفاع الأولى، فلن يكون مشهد سلام، بل هدنة هشة فوق جراح مفتوحة. ومريس ليست استثناءً، لكنها نموذج صارخ لوطن يُطلب منه أن ينسى، بينما لم يُنصف بعد.
كفى تهميشًا لأبناء مريس. ولا نريد حصر مريس في حزب، ولا اختزالها في أشخاص، بل نطالب بإنصافها كمنطقة قدّمت الغالي والنفيس دفاعًا عن الوطن كله. ومن يعتقد أن تجاوز مريس اليوم سيمر بلا حساب، سيكتشف عاجلًا أو آجلًا أن تجاهل التضحيات هو أول طريق الانكسار السياسي ولو بعد حين.


