وزراء من قلب الميدان لا من صالات الفنادق قراءة في مهام حكومة "الزنداني" المرتقبة

بقلم | أيمن مزاحم 

يمثل قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي رقم (17) لسنة 2026، بتكليف الدكتور شائع محسن الزنداني بتشكيل الحكومة الجديدة، نقطة تحول مفصلية تتجاوز مجرد التغيير الإداري إلى ضرورة مراجعة فلسفة اختيار رجال الدولة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ اليمن. إن الشارع الذي استقبل هذا القرار، لم يعد يبحث عن مجرد أسماء لامعة أو ترضيات سياسية بقدر ما يتطلع إلى فريق عمل يدرك أن شرعية المسؤول تُستمد من حضوره الميداني لا من جواز سفره الدبلوماسي. لقد أثقل كاهل الدولة لسنوات ذلك النمط من المسؤولين الذين أداروا شؤون البلاد من ردهات الفنادق وعواصم الشتات، وهو نهج أثبت فشله الذريع في تلبية أدنى احتياجات المواطن، بل وعمق الفجوة بين مؤسسات الدولة والواقع المعاش على الأرض.

إن المرحلة الراهنة تفرض على رئيس الوزراء المكلف أن يتجاوز في اختياراته كشوفات المحاصصة التقليدية، ويلتفت إلى تلك الكوادر التي صقلتها الأزمات داخل الوطن. لقد أثبت الميدان مؤخراً، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن هناك طبقة من وكلاء الوزارات والقيادات الإدارية الذين ظلوا مرابطين في مكاتبهم ومرافقهم الخدمية في العاصمة عدن وبقية المحافظات، يقودون العمل بجدية وإخلاص رغم تعييناتهم الكبيرة وشحة الإمكانيات المتاحة لهم. هؤلاء هم "رجال الدولة" الحقيقيون الذين خبروا دهاليز العمل المؤسسي وعايشوا وجع الناس وتفاصيل احتياجاتهم اليومية، وهم الأجدر بأن يتصدروا المشهد الحكومي القادم لأنهم وببساطة "أبناء الميدان" الذين لا يحتاجون لخرائط أو تقارير عن بُعد ليفهموا حجم التحدي.

وعليه، فإن نجاح الحكومة المرتقبة يرتكز بالدرجة الأولى على كسر ثقافة "الوزير المسافر" واستبدالها بمعيار "الوزير المرابط". لم يعد مقبولاً أن تدار ملفات الكهرباء والاقتصاد والصحة والتعليم عبر شاشات "الزوم" أو من صالات المطارات، بل يجب أن يكون المقر الدائم للوزير هو قلب مؤسسته وفي وسط ميادين العمل. إن التحديات الاقتصادية والخدمية الجسيمة التي تواجه البلاد تتطلب وزراء "تكنوقراط" يمتلكون الشجاعة للنزول إلى الشارع، ومراقبة الأداء وجهاً لوجه مع الموظف والمواطن، بعيداً عن البروتوكولات العقيمة التي لم تزد الوضع إلا تعقيداً. فالكفاءة الحقيقية اليوم تُقاس بمقدار العطاء الميداني والقدرة على ابتكار الحلول من داخل الداخل، وليس بالقدرة على إلقاء الخطابات من الخارج.

وفي الختام، يضع هذا التكليف الدكتور شائع الزنداني أمام مسؤولية تاريخية لإعادة الاعتبار لهيبة الوظيفة العامة وقدسية العمل الوطني. إن الشعب اليمني الذي يراقب اليوم ولادة حكومته الجديدة، يأمل أن يرى وجوهاً تعيش همومه اليومية وتشاركه قسوة الظروف، وجوهاً تستبدل حقائب السفر بملفات العمل الميداني، وتؤمن بأن الطريق إلى قلوب الناس وإلى استقرار البلاد يبدأ من التواجد في الميدان وينتهي به. إنها فرصة أخيرة لاستعادة الثقة بمؤسسات الدولة، وهي فرصة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان معيار الاختيار هو الكفاءة المشهودة والعمل الدؤوب، بعيداً عن أي حسابات لا تخدم المصلحة الوطنية العليا.