الحوار الجنوبي الجنوبي.. مرتكزات التوافق وبناء الرؤية الوطنية الموحّدة

الحمد لله القائل في كتابه العزيز ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وقد وردت الأحاديث المتعددة في الأمر بالاجتماع والائتلاف، والنهي عن الفرقة والاختلاف، كما في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا، يَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ».

إن الحوار الجنوبي الجنوبي - الذي يجري التحضير لانعقاده في الرياض برعاية كريمة من المملكة العربية السعودية - يمثّل استحقاقًا وطنيًا بالغ الأهمية في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الجنوب، بوصفه الإطار الجامع لتوحيد الصف الجنوبي، ومعالجة التباينات السياسية والفكرية بين مختلف المكونات، وصولًا إلى صياغة رؤية وطنية جامعة مشتركة، تعبّر عن تطلعات أبناء الجنوب في الحرية والكرامة والعيش الكريم، وبناء مستقبل آمن ومستقر.

فالتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها الجنوب اليوم تفرض على جميع مكوناته الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية، وتغليب منطق الحوار والتوافق، على منطق الإقصاء والصراع.

إن نجاح الحوار الجنوبي الجنوبي مرهون بتأسيسه على جملة من المبادئ الوطنية الواضحة والراسخة، وفي مقدمتها الاعتراف المتبادل بين مختلف الأطراف الجنوبية، وقبول الآخر كشريك أصيل في الوطن، واحترام حقه المشروع في الاختلاف والتعبير عن رؤاه ومواقفه، بعيدًا عن ثقافة التخوين أو احتكار التمثيل.

فالتعدد السياسي والفكري ظاهرة طبيعية في المجتمعات الحية، ولا يمكن تحويله إلى عامل قوة إلا من خلال إدارة رشيدة للحوار. 

ومن الأسس الجوهرية - أيضًا - تغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئوية أو الشخصية الضيقة؛ فهو ركيزة أساسية لأي حوار جاد ومسؤول، فالحوار الذي تحكمه الحسابات الشخصية أو الفئوية محكوم عليه بالفشل؛ لأن القضية الجنوبية أكبر من الأفراد والكيانات، ولا تحتمل توظيفها لتحقيق مكاسب ضيقة على حساب تطلعات الشعب وحقوقه المشروعة، واعتبار أن الهدف النهائي للحوار هو خدمة المواطن الجنوبي وحماية حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الشفافية والوضوح في الأهداف والمواقف والآليات، والصدق في الطرح، باعتبارها عناصر ضرورية لبناء الثقة بين المتحاورين، وضمان أن تكون مخرجات الحوار ملزمة وقابلة للتنفيذ، لا مجرد توصيات شكلية. 

كذلك يستلزم الحوار الناجح الالتزام بمبدأ الشراكة والتكافؤ بين جميع الأطراف المشاركة، بما يمنع الهيمنة أو فرض الرؤى الأحادية، ويؤسس لعلاقة قائمة على الندية والاحترام المتبادل. ويُعد اعتماد آلية مؤسسية واضحة لإدارة الحوار تتضمن أهداف محددة، آليات واضحة، جدول أعمال زمني معلن ومحدد، وأطرًا زمنية، وضمانات للتنفيذ والمتابعة، عاملًا حاسمًا في تحويل الحوار إلى مسار عملي ومستدام، يكفل تحويل مخرجاته إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وليس مجرد توصيات شكلية. 

وفي هذا السياق، فإن الالتزام بسلمية الحوار، والاحتكام إلى المنطق والحجة، ونبذ خطاب التحريض والتصعيد، يشكل ضرورة قصوى لإنجاح هذا المسار الوطني. فالحوار المسؤول هو السبيل الأمثل لمعالجة الخلافات، وتعزيز وحدة الصف الجنوبي، وترسيخ الثقة المتبادلة بين مختلف المكونات.

وخلاصة القول، إن الحوار الجنوبي الجنوبي ليس خيارًا تكتيكيًا أو ظرفيًا، بل ضرورة وطنية لا غنى عنها للوصول إلى رؤية موحّدة تعبّر عن الإرادة الجماعية ومسار استراتيجي لبناء توافق وطني شامل، وصياغة رأي موحّد يعكس الإرادة الجماعية لأبناء الجنوب. ولن يتحقق ذلك إلا بتوفر إرادة سياسية صادقة، والتزام وطني مسؤول، وإيمان راسخ بأن الجنوب يتسع لجميع أبنائه، وأن وحدته الداخلية تشكّل الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني جامع قائم على الحوار والتوافق والشراكة، لا بالإقصاء والتهميش والانقسام.

و الله من وراء القصد...