كيف يُمثَّل الجنوب في حواره؟

لم تكن صدمة أبناء حضرموت من اللقاء الأخير الذي عُقد باسمهم ناتجة عن عقد الاجتماع بحد ذاته، بل عن الطريقة التي جرى بها ادعاء تمثيلهم. لقاء محدود، دون دعوة عامة أو آلية شفافة، يخرج للناس باعتباره خطوة لصياغة "رؤية حضرموت" المقدّمة للحوار الجنوبي، وكأن المجتمع الحضرمي بكل تنوعه يمكن اختزاله في عدد محدود من الأفراد.

يُعدّ الحوار الاستقصائي التدبّري من أرقى المنهجيات المعتمدة لتوحيد وجهات النظر بين الأطراف المتعددة المرتبطة بالمشكلة، إذ يقوم على استكشاف جذور المشكلة من زوايا نظر مختلفة، وصولًا إلى رؤية مشتركة تعتمد على الفهم لا الهيمنة. وقد أثبت هذا الأسلوب فاعليته في مجالات حساسة مثل التعليم، حين ساعد في تقليص فجوات الرؤية بين المعلمين والطلاب ومختصي المناهج.

غير أن تطبيق هذا النموذج في الحوارات السياسية لا تحده فقط الخلافات الأيديولوجية، بقدر ما يحده صعوبة تمثيل المجتمعات الواسعة والمتنوعة المرتبطة بالصراع السياسي، وحصر آرائها المتباينة، والاحتكام لاحقًا إلى رأي الأغلبية بوصفه مخرجًا توافقيًا. وتشمل هذه الصعوبات ليس فقط الاجتماعات المغلقة، بل أيضًا الفعاليات الجماهيرية الكبيرة التي تختزل التنوع الفكري في بيان ختامي معد مسبقًا، ينسجم مع أجندة النخب لا مع الجماهير التي يُفترض أنها ممثلة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى أدوات استطلاع راي كمية تتيح تمثيلًا أوسع للإرادة المجتمعية، وتمنع اختزال التنوع في عدد محدود من الأشخاص دون تفويض، وهو ما شكّل لدى الحضارم صدمة سياسية ومعنوية ما زالت آثارها قائمة.

السؤال الجوهري إذًا ليس من حضر الاجتماع، بل: من فوّضهم؟ ومن منحهم حق الحديث باسم الأحزاب، النقابات، منظمات المجتمع المدني، المرأة، والشباب، والجماهير التي ملأت الساحات في مليونيات الحراك الجنوبي ثم في فعاليات لاحقة؟

إن أخطر ما يواجه أي حوار سياسي ليس الخلاف في الرؤى، بل ادعاء التمثيل دون تفويض. فالشعارات الكبيرة مثل "عدم الإقصاء" و"حرية التعبير" و"الشفافية" تفقد معناها فورًا عندما تُمارَس العملية السياسية بأسلوب انتقائي يعيد إنتاج الوصاية، لا الشراكة.

دستور الجمهورية واضح: الشعب مالك السلطة ومصدرها، ويمارسها مباشرة أو عبر التفويض. وهذا التفويض، وفق القوانين النافذة، لا يكون إلا من خلال الجمعيات العمومية للأحزاب، والنقابات، والمنظمات، لا عبر اختيار أفراد بحسن نية أو بقربهم من مراكز القرار.
المشكلة ليست في غياب الكفاءات الجنوبية، فالجنوب زاخر بالخبرات القانونية والسياسية والإدارية، بل في الإصرار على إدارة الحوار بذات الأدوات القديمة التي أثبتت فشلها: لقاءات مغلقة، تمثيل ضعيف، وفعاليات جماهيرية شكلية، ومخرجات قابلة للطعن منذ لحظة إعلانها.

والسؤال المنطقي الذي يجب أن يُطرح اليوم: لماذا لا نحتكم إلى الناس أنفسهم؟

في زمن التقنية، يمكن تحويل القضايا الجوهرية للحوار الجنوبي إلى استطلاع رأي ديمقراطي مقنن، تشارك فيه الجمعيات العمومية للمكونات المسجلة رسميًا، تحت إشراف محلي ورقابة فنية محايدة، باستخدام الرقم الوطني لمنع الازدواج، وبأسئلة كمية واضحة تُفرَز نتائجها خلال ساعات، لا أشهر.

كلفة هذا المسار لا تُقارن بكلفة الحوارات التقليدية التي تستنزف الوقت والمال، ثم تصطدم بجدار الرفض الشعبي أو الخلاف السياسي. والأهم من ذلك أن نتائجه ستكون أقوى شرعياً، وأصدق تمثيلاً، وأصعب في المصادرة.

إن تهميش الجماهير وادعاء التحدث باسمها لا يهدد فقط مصداقية الحوار الجنوبي، بل يهدد مستقبله، ويعيد فتح أبواب الصراع بدل إغلاقها. فالجنوب الذي قدّم الشهداء من أجل أن يكون الشعب هو صاحب القرار، لا يمكن أن يُطلب منه اليوم أن يقبل بدور المتفرج.

ولمن يرغب في الاطلاع على تصور عملي متكامل يوضح آليات التمثيل الديمقراطي المقنن، ومراحله، وضوابطه القانونية والتنفيذية، يمكن الرجوع إلى نص مبادرة التمثيل الديمقراطي للشرائح الجنوبية في الحوار