شعبان شهر صناعة القلب قبل حصاد رمضان
ليس من فقه هذا الدين العظيم أن يُترك الإنسان للصدفة، ولا أن تُهمل القلوب بلا محطات تُراجع فيها ذاتها وتستعيد بوصلتها؛ فالله تعالى لم يخلق الزمان عبثا، ولم يجعل الأيام سواء؛ بل جعل للمواسم رسائل، وللأوقات وظائف، ولتعاقبها حكمة تربوية عميقة. واختيارُ بعض الأزمنة وتفضيلُها على غيرها تربية للقلوب، ورحمة بالضعف البشري، وعون على الثبات في طريق الإيمان.
ومن هنا لا يأتي تعاقب المواسم الإيمانية تكرارا شكليا؛ بل بناء متدرجا: موسم يوقظ، وآخرُ يُربّي، وثالث يُرسّخ. وفي هذا البناء المتكامل يقف شعبان في موقع مفصلي بالغ الأهمية؛ شهر بين التعظيم والاستعداد، بين رجب ورمضان، يغفل عنه كثير من الناس؛ لكنه عند الله عظيم الأثر، عميق الدلالة، خطير الموقع في صناعة القلب قبل الدخول إلى أعظم المواسم.
وحين نريد أن نعرف قيمة شهر من الشهور؛ فإن الميزان الأدق هو ميزان السُّنة؛ كيف كان رسول الله ﷺ يتعامل معه؟ لقد كشف ﷺ سر هذا الشهر حين وصفه بأنه شهر «يغفل الناس عنه»، وفي الغفلة تتمايز القلوب؛ لأن العبادة حين يقلّ الزحام وتخفت الأضواء تكون أصدق، وأقرب إلى الإخلاص. وهو شهر تُرفع فيه الأعمال، فكيف يرضى عاقل أن تُعرض صحيفته وهو غافل، أو أن يُرفع عمله وهو مثقل بالتقصير؟! هنا تتجلى حقيقة شعبان: شهر محاسبة قبل العرض، ومراجعة قبل الحصاد، وترميم داخلي قبل الانطلاق الكبير.
ولعل من أخطر ما أصاب هذا الشهر أنه ضاع بين موسمين؛ انشغل الناس برجب، ثم شُدّت الأبصار إلى رمضان، فتركوا ما بينهما. لا شعائر جماعية ظاهرة، ولا طقوس موسمية صاخبة، فظنه كثيرون شهرا عاديا. وزاد الطين بلّة أن طغى الاستعداد المادي على الاستعداد الإيماني؛ انشغلت الأسواق، وامتلأت القوائم، وبقيت القلوب على حالها. كما ساهم الفتور بعد المواسم، وسوء فهم رمضان ذاته، في تكريس هذه الغفلة؛ إذ اختُزل رمضان عند بعض الناس في النوم بالنهار والسهر بالليل، لا في كونه شهر الجد والبناء والعمل.
أما الواعون من السلف، فقد كانوا يرون في شعبان شهر القلوب لا المظاهر، وموسم التهيئة لا الاسترخاء. وقد نقل ابن رجب الحنبلي أن كثيرًا منهم كانوا يقولون: شهر شعبان شهر القرّاء. ومن هنا تتضح القاعدة: من ضيّع شعبان دخل رمضان مثقلا، ومن أحسن شعبان دخل رمضان حي القلب، قوي العزم، واضح الطريق.
إن شعبان ليس زمنا فائضا عن الحاجة؛ بل هو جسر العبور الحقيقي إلى رمضان. فيه يتحوّل الصدق من نية مؤجلة إلى برنامج عملي، ومن تمنّ جميل إلى التزام واقعي. فالتدرج سنّة ربانية في التشريع والتربية معا؛ لا قفز في البناء، ولا ثبات بلا تمهيد. ومن دخل رمضان بلا إعداد؛ دخل بحماس سريع الذبول، أما من روّض قلبه وجسده في شعبان؛ فقد مهد لنفسه طريق الثبات.
ولذلك كان الصيام أبرز ملامح الإعداد النبوي في هذا الشهر، مع مراعاة التوازن حتى لا يُستقبل رمضان بالإرهاق. وكان شعبان كذلك موسما لإحياء الصلة بالقرآن؛ مراجعة وتدبرا وتذوقا، حتى إذا أقبل رمضان كان القلب قد أُلِفَ كلام الله. وهو شهر الدعاء والاستغفار والتوبة؛ تنظيف للصحيفة قبل العرض، وتصفية للقلب قبل موسم المغفرة. وكيف نرجو فتح أبواب السماء بقلوب لم تُنقَّ من أدرانها؟!
وفي شعبان يتربّى المؤمن على قيام الليل بهدوء، بعيدا عن الزحام، تدريبا على الثبات، وتمهيدا لليالي رمضان. كما يتسع فيه البعد الإنساني؛ تهيئة الفقراء، ومواساة المحتاجين، حتى لا يكون العطاء في رمضان اندفاعا عابرا؛ بل ثمرة عادة راسخة. غير أن هذا كله لا يثمر مع قلب مشحون؛ فسلامة الصدر شرط القبول، والعفو بوابة المغفرة.
أما ليلة النصف من شعبان؛ فليست ساحة طقوس ولا ميدان جدل؛ بل محطة مراجعة صادقة. عظمتها ليست فيما يُخترع فيها؛ بل فيما يُصحَّح بسببها. مغفرة واسعة؛ لكن بشرط واضح: قلب سليم، وصدر نقي. وأخطر ما يحرم العبد الخير الشحناء والخصومة؛ لأنها تفسد الداخل وتقطع الطريق.
ولم يكن شعبان في تاريخ الأمة شهر عبادات فردية فحسب؛ بل شهد تحولات كبرى غيّرت المسار ورسمت الهوية: فيه تحولت القبلة، اختبارا للطاعة والانقياد؛ وفيه بدأت ملامح أول مواجهة فاصلة؛ حيث امتزج الإعداد بالإيمان؛ وفيه فُرض الصيام، انتقالا بالأمة إلى تربية أعلى؛ وفيه كُشفت الصفوف، وظهر الصادق من المتردد. هكذا كان شعبان شهر فرزٍ وتمييز، لا شهر عزلة فردية فقط.
ومن هذه الأحداث تتجلى دروس كبرى: أن الإعداد قبل المواجهة سنّة لا تُهمل، وأن الطاعة تظهر عند التحول والابتلاء، وأن كشف الصفوف ضرورة قبل المعارك، وأن البناء الإيماني يسبق التمكين ولا يُستغنى عنه. وعلى مستوى الفرد، يعلّمنا شعبان محاسبة النفس قبل موسم الإنجاز، وصناعة العادة قبل زيادة التكليف، ووضوح الهدف في العبادة حتى لا تتحول إلى عادة بلا أثر، والتوازن بين الدين والحياة؛ فالإسلام دين بناء لا انسحاب. وقد لخّص الحسن البصري هذه المعادلة بقوله: إن المؤمن أحسن الناس عملا؛ لأنه يعمل على بصيرة.
وتتعاظم في هذا الشهر مسؤولية العلماء والدعاة؛ تهيئة مبكرة لرمضان قبل ضجيج المواسم، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وإحياء السنة، ومحاصرة البدع، وتوجيه الناس من الاستهلاك إلى الارتقاء، ومن المظاهر إلى المعاني. فالهداية لا تُترك للصدفة، والبناء لا يُؤجل إلى آخر لحظة.
في النهاية، شعبان ليس شهرا هامشيا في التقويم؛ بل محطة فاصلة في مسيرة القلوب والأمم. من أحسن شعبان أحسن رمضان، ومن ضيّعه دخل الموسم مثقلا بالندم. هو شهر الأعمال الخفية، والتحولات العميقة، والاستعداد الواعي قبل أن يُقال: مضى الموسم، وبقي الأثر، أو بقي الندم.
نسأل الله أن يبارك لنا في شعبان ويبلغنا رمضان، وأن يعننا فيه على الصيام والقيام وتلاوة القرآن، ودمتم سالمين!


