مجلس ترامب للسلام… هندسة الخضوع وهرولة الأنظمة
لم يكن ما أُطلق عليه زوراً
« مجلس ترامب للسلام » سوى غرفة عمليات سياسية لإدارة الصراع لا حله، ولتكريس موازين القوة لا كسرها. مشروعٌ صيغ بعقلية التاجر، ونُفِّذ بعقلية الإمبراطورية، وبيع للعرب على أنه سلام، بينما جوهره إخضاعٌ منظم، وتصفية سياسية تدريجية للقضية الفلسطينية، وإعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح
الأمريكية – الإسرائيلية.
هذا ليس سلاماً، بل إعادة تعريف للصراع: الاحتلال يُعاد تسويقه، والحقوق تُختزل، والعدالة تُستبدل بحوافز مالية، وكأن الدم يمكن تعويضه بالاستثمار، وكأن الأرض تُقايَض بالمشاريع.
أما هرولة بعض الدول العربية، فلم تكن سذاجة سياسية، بل قراراً واعياً بالانخراط في مشروع الهيمنة. أنظمة مأزومة، فقدت شرعيتها الداخلية، وخافت من شعوبها أكثر مما خافت من أعدائها، فاختارت الارتماء في أحضان القوة الدولية، ودفعت أثماناً سيادية مقابل ضمانات بقاء مؤقتة.
لم تُهرول هذه الدول حباً في السلام، بل هرباً من الاستحقاقات. هرباً من الإصلاح، ومن الحرية، ومن المحاسبة. فكان التطبيع ملاذاً، وكان الصمت سياسة، وكانت القضية الفلسطينية أول فاتورة تدفع.
في هذا المشروع، لم تُعرض دولة فلسطينية، ولا سيادة، ولا حق عودة، ولا حتى أفق سياسي محترم. عُرض اقتصاد بلا سياسة، ورفاه مشروط بلا كرامة، وسلام يُطلب من الضحية توقيعه تحت التهديد. إنها محاولة فجّة لتحويل قضية تحرر وطني إلى ملف استثماري، وتحويل شعب تحت الاحتلال إلى قوة عمل بلا وطن.
السياسة هنا لم تعد فن الممكن، بل فن الابتزاز. والاقتصاد لم يعد أداة تنمية، بل سلاح إخضاع. أما
« السلام » فمجرد لافتة تُعلَّق على مشروع توسع، لا يؤمن إلا بمنطق القوة.
التاريخ، الذي يتجاهله المهرولون، يقول بوضوح: كل سلام لا يستند إلى العدالة مصيره الانفجار، وكل نظام يراهن على الخارج ضد شعبه يخسر في النهاية، ولو طال الزمن. فالشعوب قد تصمت، لكنها لا تنسى، والحقوق قد تُؤجَّل، لكنها لا تُمحى.
السلام الحقيقي لا تصنعه مجالس القوة، ولا يُوقَّع تحت الضغط، ولا يُفرض على الشعوب من فوق. السلام يولد من العدالة، وما عدا ذلك ليس سوى استسلام مؤجل، يُكتب دائمًا بلغة الأقوى… ويُسدد ثمنه الأضعف.


