عاماً على الغياب ما يزال قلبي مثقلاً بدخان الفقد!!!

تمر الذكرى الأولى لرحيل عمي المحامي محمد عمير البرطي - مدير عام الاتحاد التعاوني الزراعي بتعز ، وما يزال قلبي حتى هذه اللحظة مدخناً بوجع الفقد ، كأن الحزن لم يجد بعد طريقه إلى الانطفاء ، عاماً كامل مضى منذ تلك الليلة الثقيلة من ليالي الخامس والعشرين من رمضان ، في العشر الأواخر ، حين كان الليل مغموراً بالسكينة والابتهال ، فإذا به يغادر بموت فجائي من بيننا ، ويحمل إلينا الرحيل كالصاعقة ، بل غياباً كسر شيئاً عميقاً في الروح ، وترك في القلب ندبة لا يبرأ أثرها

منذ تلك اللحظة وأنا أشعر أن جزءاً من حياتي قد انطفأ ، وأن ركناً أصيلاً من ذاكرتي قد غاب ، لم يكن عمي محمد عمير مجرد اسم في سجل العائلة ، ولا مجرد قريب تجمعنا به صلة الدم والانساب ، بل كان معنى أكبر من ذلك بكثير ؛ كان الأب حين تضيق الحياة ، والأخ حين تشتد الوحدة ، والصديق حين تتكاثر الأسئلة في صدورنا ولا نجد لها جواباً ، كان المأوى حين تتعب الروح ، والجبل الذي أتكئ عليه كلما مالت بي الأيام

كان حضوره في حياتي أشبه بسند معنوي لا يرى ، لكنه محسوس في كل تفاصيل الطريق ، رجل من طراز نادر ، يحمل في روحه صفاء الكبار ، وفي عقله حكمة العارفين بتقلبات الحياة ، تعلمت من قربه الكثير ؛ تعلمت أن الكرامة ليست شعاراً بل سلوكاً يومياً ، وأن المواقف هي التي تصنع الرجال ، وأن الإنسان الحقيقي هو من يترك في القلوب أثراً لا يمحوه الغياب

لقد كان مصدر إلهام حقيقي في حياتي ، من كلماته كنت أستمد المعنى ، ومن صمته أتعلم الحكمة ، ومن مواقفه أفهم كيف يمكن للإنسان أن يعيش بشرف ونبل حتى في أكثر الأزمنة قسوة ، كان مدرسة في الأخلاق ، ومرآة تعكس معنى الثبات والوقار ، ولذلك لم يكن رحيله حدثاً عابراً في حياتي ، بل زلزالاً عاطفياً أعاد ترتيب أشياء كثيرة في داخلي

مؤلم جداً أن يتحمل القلب فراق من كان له بهذا العمق ، مؤلم أن تمر الأيام دون أن أسمع صوته ، أو أرى ابتسامته التي كانت تطمئنني بأن الحياة مهما قست ، لا تزال قادرة على أن تمنحنا بعض السكينة ، أحياناً أشعر أن الذاكرة نفسها أصبحت وطناً للحزن ؛ كل زاوية فيها تحمل صورة له ، وكل موقف يستدعي ظله الحاضر في روحي

ومع ذلك فإن العزاء الوحيد أن الأرواح الكبيرة لا تغيب تماماً ، بل تتحول إلى أثر دائم في حياة من أحبوها ، فبعض الناس حين يرحلون لا يتركون فراغاً فحسب ، بل يتركون تاريخاً من المحبة ، وسيرة من الوفاء ، وذكريات تظل تتقد في القلب كجمر دافئ لا ينطفئ

في الذكرى الأولى لرحيلك يا عمي العزيز ، أدرك أن الغياب قد يسرق الجسد ، لكنه لا يستطيع أن يمحو الأثر ، ما زلت حاضراً في ذاكرتي ، في لغتي ، في مواقفي ، وفي كل المعاني الجميلة التي علمتني إياها ، وما زال قلبي ، رغم مرور عاماً كامل ، يتعلم بصعوبة كيف يتعايش مع هذا الفراغ الكبير الذي تركته خلفك

رحمك الله رحمة واسعة ، بقدر ما زرعت في القلوب من محبة ، وبقدر ما منحت الحياة من صدق ووفاء ، سيبقى اسمك في داخلي أكثر من مجرد ذكرى ؛ سيبقى حكاية رجل نبيل ، ترك في أرواحنا أثراً لا يزول ، وجعلنا ندرك أن بعض الفقد لا ينسى ، بل يحمل في القلب ما بقي من العمر