الإقالة الغامضة!
لا تزال إقالة الأستاذ سالم صالح بن بريك من منصبه رئيسًا للوزراء محاطة بقدر كبير من الغموض، في ظل غياب أي توضيح رسمي يشرح الدوافع الحقيقية لهذا القرار، ويغلق الباب أمام سيل التساؤلات، لا سيما في بلد يرزح تحت انقسامات وأزمات متراكبة، ويحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى وضوح في القرار ومسؤولية في الممارسة.
في الدول التي تحترم مؤسساتها وتقاليدها الدستورية، لا تُقال الحكومات ولا يُطاح برؤسائها إلا لأسباب جسيمة، أو نتيجة إخفاقات واضحة ومثبتة، تُعرض على الرأي العام، ويتناولها الإعلام بشفافية. أما طريقة «الكلوسة» التي تمت بها إقالة الأستاذ سالم صالح بن بريك، فقد بدت – في نظر كثيرين – أقرب إلى الإقصاء المفاجئ منها إلى الإجراء المؤسسي ، خصوصًا أن فترة توليه القصيرة لم تخلُ من مؤشرات إيجابية، أبرزها تحقيق قدر من الاستقرار في سعر الصرف، وهو ملف بالغ الحساسية في ظل الوضع الاقتصادي الراهن.
لكن الأكثر إثارة للاستغراب، ما جرى الترويج له من أن سبب الإطاحة بالأستاذ سالم صالح يعود إلى دوافع «مناطقية»، كما زعمت إحدى الـ «ناشتات»، التي يرد اسمها ضمن كشوفات ما يُعرف بـ«الإعاشة» الدولارية، والتي حاول بن بريك – بحسب ما تم تداوله إعلاميًا – وضع حدٍّ لنزيفها واستنزافها للمال العام.
وهنا لسنا بصدد الدفاع عن الأستاذ سالم صالح بن بريك، فالنقد حق مشروع، والمساءلة ضرورة لا غنى عنها، غير أن الزج بتهمة «المناطقية» يبدو أقرب إلى الافتراء السياسي، لا سيما في ظل معرفة الرأي العام بحقيقة الممارسات المناطقية، ومن يقفون خلفها، وأولئك الذين اعتادوا التنقل بين العواصم على نفقة الدولة والمال العام، في مشهد بات مكشوفًا ولا يحتاج إلى كثير عناء لكشفه.
إن ما يبعث على القلق ليس مجرد إقالة مسؤول، بل الطريقة التي تُدار بها القرارات الكبرى، والخطاب الذي يُستخدم لتبريرها أو تسويقها. فحين يغيب الحياء السياسي، وتغيب معه الشفافية، تتحول المسؤولية العامة إلى ساحة للتجاذبات، وتُفرغ الدولة من معناها المؤسسي.
ويبقى السؤال الأهم :
هل باتت القرارات المصيرية تُتخذ بلا تفسير، ويُترك الرأي العام نهبًا للشائعات والتأويلات؟ أم أن إعادة الاعتبار لقيم النزاهة والوضوح لا تزال ممكنة، وفي ذلك احترام لعقول الناس؟


