فوضى السلاح .. والخصوصية الحضرمية
من يزور مدينة المكلا، ومدن حضرموت الأخرى هذه الأيام، يلفت انتباهه الحضور اللافت للوحات الإرشادية العملاقة، بمختلف مقاساتها وأحجامها، المنتشرة في الشوارع الرئيسية .. وهي لوحات نصبتها قوات درع الوطن التي تبسط سيطرتها الأمنية على محافظة حضرموت منذ مطلع العام الجاري، في إطار حملة أمنية وتوعوية تهدف إلى منع حمل السلاح داخل المدن، وحثّ المواطنين على التعاون للحفاظ على الاستقرار والسكينة العامة.
وتأتي هذه الخطوة في ظل واقع أمني اتسم، في بداية هذه المرحلة الجديدة، بحالة من الانفلات، تجلّت في مظاهر حمل السلاح العشوائي، وسماع دوي إطلاق الرصاص بين الحين والآخر، وهو ما يتعارض بشكل صارخ مع طبيعة الحياة المدنية، ويقوّض الشعور العام بالأمن والطمأنينة.
وينظر عامة الناس إلى قرار منع حمل السلاح في مدن حضرموت باعتباره قرارًا صائبًا وقابلًا للنجاح، ليس فقط بفعل الحزم الأمني، بل لانسجامه مع طبيعة المجتمع ذاته؛ الذي عُرف بمدنيته وتحضّره وسلميته، ويختلف في ثقافته وقيمه وخصوصيته الاجتماعية عن مجتمعات أخرى، شمالية كانت أم جنوبية، وهو اختلاف يقرّ به الآخرون قبل أبناء حضرموت أنفسهم.
إن الالتزام بقرار منع حمل السلاح داخل مدن حضرموت يُعد واجبًا أخلاقيًا وقانونيًا على الجميع، ولا سيما أولئك الذين يرون في حمل السلاح وإطلاق الرصاص في المناسبات مظهرًا للرجولة. فمثل هذه الممارسات تتعارض كليًا مع مجتمع له خصوصيته الثقافية والاجتماعية التي ينبغي احترامها، كما أن السلوكيات الوافدة من ثقافات أخرى لا يجوز فرضها أو ممارستها في بيئات تختلف عنها في القيم والسلوك العام.
وإذا كانت بعض المجتمعات ترى في حمل السلاح جزءًا من موروثها أو نمط حياتها، فإن ممارسة ذلك - إن أُجيز - ينبغي أن تظل محصورة في نطاقها الجغرافي والاجتماعي، لا أن تُفرض على مجتمعات أخرى اختارت طريق السلم، والنظام المدني، والتحضّر.
إن حملة ضبط السلاح ومنعه حمله داخل المدن تُعد ضرورة ملحّة يطالب بها المواطنون كافة، رفضًا للمظاهر الدخيلة، وتطلعًا إلى مدن آمنة يسودها الهدوء والاستقرار .. كما أن السلاح ينبغي أن يضبط ويكون حصرًا بيد المؤسسات العسكرية والأمنية النظامية والرسمية دون غيرها، وهو ما يستدعي فرض القانون بحزم وصرامة، دون تردد أو استثناء، لأن قوة الدولة وهيبتها تتجلى في قدرتها على حماية السلم العام، لا في التعايش مع الفوضى.
ويبقى السؤال مطروحًا:
هل سيتم احترام خصوصية حضرموت وثقافتها المدنية؟ أم أن هذه الخصوصية ستظل عرضة للانتهاك؟
الإجابة مرهونة بمدى جدية تطبيق القانون، وبوعي المجتمع، وبإيمان الجميع بأن الأمن والسلم هما الأساس الحقيقي للاستقرار، وأي تنمية منتظرة.


