تحرير سعر الدولار الجمركي في اليمن: التناقض بين التشخيص المؤسسي والحل السعري في توصيات صندوق النقد الدولي" الجزء الثاني "
بقلم د. وليد عبدالله الوليدي
في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعيشها اليمن، يبرز موضوع تحرير سعر الدولار الجمركي كأحد أكثر القضايا إثارة للجدل. فبينما يوصي صندوق النقد الدولي برفع سعر الدولار الجمركي ليعزز الإيرادات الحكومية، تكشف التجربة اليمنية أن هذا الحل السعري لا يتسق مع طبيعة الأزمة التي وصفها الصندوق نفسه بأنها مؤسسية وهيكلية ويؤدي إلى نتائج عكسية. هذا المقال يقدم قراءة نقدية منهجية لتوصية الصندوق، مستنداً إلى بياناته وتقارير البنك الدولي، مبيناً التناقض بين التشخيص المؤسسي والحل السعري، مع إبراز الأثر السلبي على المواطن والاقتصاد الوطني في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً.
أولاً: التشخيص كما أورده بيان صندوق النقد الدولي
ينص البيان الختامي الصادر عن بعثة صندوق النقد الدولي بشأن مشاورات المادة الرابعة مع اليمن لعام 2025 بوضوح على أن الإيرادات الحكومية انخفضت منذ عام 2022 بأكثر من ثماني نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. وقد حدد البيان أربعة أسباب رئيسية لذلك الانخفاض تمثلت في التالي:
• توقف صادرات النفط.
• تحول التجارة نحو الموانئ الشمالية خارج نطاق التحصيل الحكومي.
• تزايد التهريب.
• استقطاع المحافظات لإيرادات الحكومة المركزية (احتجاز الإيرادات الضريبية والجمركية)
ويضيف البيان أن التنافس بين المحافظات على حركة الموانئ أدى إلى اختلاف معدلات الضرائب، وتفاوت التعريفات الجمركية، ما أسهم في تراجع الإيرادات الكلية الممكنة للحكومة المعترف بها دولياً.
من خلال مراجعة الأسباب يتضح لنا أن هذا التشخيص، في جوهره تشخيص مؤسسي وهيكلي بامتياز. فهو يضع الخلل في تعطل مصادر الإيراد السيادي، وضعف الحوكمة، وغياب السياسة الجمركية الموحدة، وضعف الرقابة والامتثال. ولا يشير، لا صراحة ولا ضمناً، إلى أن سعر الدولار الجمركي هو السبب المباشر لانخفاض الإيرادات الحكومية.
ثانياً: من تشخيص مؤسسي إلى حل سعري – الفجوة المنهجية في بيان صندوق النقد الدولي
رغم أن بيان الصندوق يؤكد أن جوهر الأزمة مؤسسي وهيكلي، فإنه يقفز إلى توصية سعرية عالية الحساسية: رفع سعر الدولار الجمركي. هذا الانتقال يكشف فجوة منهجية، إذ يفترض وجود بيئة مؤسسية مستقرة ـ جهاز جمركي موحد، امتثال مرتفع، رقابة صارمة على المنافذ ومسارات التجارة، وأسواق منظمة تستطيع امتصاص الصدمة السعرية دون تمريرها بشكل مضاعف إلى المواطن ـ وهي شروط يعترف البيان نفسه بغيابها.
في الواقع، يتحول رفع سعر الدولار الجمركي إلى عامل ضغط إضافي على منظومة تعاني ضعف الامتثال وتعدد مراكز التحصيل وانعدام الشفافية، ويزيد من التحول التجاري نحو الموانئ الشمالية خارج نطاق تحصيل الحكومة المعترف بها دولياً. الأخطر أن البيان لم يناقش المخاطر التطبيقية أو صافي الأثر بعد احتساب التهريب وفقدان الامتثال.
وكما جاء في كتاب الصندوق "الجمارك مؤسسة حيوية" (2022، ص27) "الجغرافيا والاقتصاد قد يفرضان أولويات محددة"، لكن توصياته لليمن التي وصفها بيانه عينه بأنها "أحد أكثر بلدان العالم هشاشة" تجاهلت هذه البديهيات، فأوصت برفع سعر الدولار الجمركي رغم التحول المتسارع للتجارة نحو الموانئ الشمالية الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وهي تجربة أثبتت سابقاً نتائج عكسية، حيث زادت كلفة الاستيراد عبر ميناء عدن، ما دفع التجار إلى الموانئ الشمالية وأدى إلى تراجع الإيرادات الجمركية. وقد أكد تقرير البنك الدولي المرصد الاقتصادي لليمن (2023، ص12) أن إيرادات الحكومة المعترف بها دولياً ستتراجع نتيجة تحول التجارة إلى الموانئ الشمالية رغم رفع سعر الصرف المستخدم في الرسوم الجمركية.
هنا تبرز أسئلة منهجية: لماذا لم يتم إجراء تقييم أثر اقتصادي (Impact Assessment) يربط بين رفع سعر الدولار الجمركي والعائد الصافي بعد احتساب سلوك المستوردين، التهريب، والتحول التجاري نحو الموانئ الحوثية؟ وعلى أي أساس افترض الصندوق أن الأثر الصافي سيكون إيجابياً؟
كما يغيب عن بيان الصندوق تحديد الشروط المؤسسية المسبقة التي يفترض تحققها قبل أي تعديل سعري من هذا النوع، بما في ذلك مستوى رقمنة المنافذ، ودرجة توحيد التعرفة الجمركية فعلياً لا شكلياً، ونسب امتثال التجار، وفاعلية إدارة المخاطر والتدقيق اللاحق، وتطبيق نظام النافذة الواحدة، إضافة إلى نسب توريد الإيرادات إلى الخزينة المركزية دون استقطاعات محلية.
حيث تؤكد أدبيات الصندوق نفسها، ولا سيما تقاريره الفنية للأعوام 2019 و2022 و2023، أن زيادة الإيرادات الجمركية لا تتحقق عبر أدوات سعرية معزولة، بل عبر جاهزية الإدارة الجمركية وتطوير وظائفها الأساسية.
وفي هذا السياق، فإن الاكتفاء بعبارات عامة مثل "تحسين الامتثال" و"تعزيز الرقابة" في بيان الصندوق لا يرقى إلى مستوى توصيات مؤسسية قابلة للتنفيذ أو القياس أو التقييم.
ثالثاً: تفنيد أسباب تراجع الإيرادات الحكومية الواردة في بيان صندوق النقد الدولي
يحدد بيان بعثة صندوق النقد الدولي 2025 أربعة أسباب رئيسية لتراجع الإيرادات الحكومية، وجميعها تعكس اختلالات مؤسسية وهيكلية لا يعالجها رفع سعر الدولار الجمركي، بل قد يفاقمها.
1. "توقف صادرات النفط"
يشير البيان إلى أن توقف صادرات النفط منذ 2022 كان أحد أهم أسباب انخفاض الإيرادات الحكومية. وهذا صحيح، لكنه لا يبرر اللجوء إلى رفع سعر الدولار الجمركي.
فالإيرادات النفطية تمثل مكوناً سيادياً عالي الأهمية في هيكل المالية العامة، ولا يمكن تعويضه عبر زيادة الرسوم على الواردات. بل إن سد الفجوة عبر رفع سعر الدولار الجمركي لن يسهم في تحسين المالية العامة بقدر ما سينعكس ارتفاعاً في أسعار الوقود، ومن ثم ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وبالتالي ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتآكل القدرة الشرائية.
كان الأجدر بفريق الحكومة اليمنية وبعثة الصندوق التعامل مع توقف الصادرات النفطية بوصفه اختلالاً في تدفق الإيرادات السيادية ناتجاً عن قيود قسرية فرضها الحوثيون، والبحث عن ترتيبات اقتصادية تفاوضية لتحييد الصادرات السيادية عن مسار الصراع، كما حدث في تجارب دول منقسمة أخرى. حيث أن تحميل السياسة الجمركية عبء معالجة صدمة نفطية يمثل خروج عن منطق إدارة المالية العامة التي تميز بين الإيرادات السيادية والإيرادات الضريبية.
2. "تحول التجارة إلى الموانئ الشمالية"
يعترف بيان الصندوق بأن تحول جزءًا كبيراً من النشاط التجاري إلى الموانئ الشمالية كان سبباً رئيسياً في تراجع الإيرادات الحكومية. غير أن توصيته برفع سعر الدولار الجمركي تكشف تناقضاً منهجياً صارخاً، إذ أن تحول التجارة إلى الموانئ الشمالية كان استجابة مباشرة لقرارات سابقة برفع سعر الدولار الجمركي في مناطق الحكومة المعترف بها دولياً خلال عامي 2021 و2023. حيث أصبحت كلفة الاستيراد عبر الموانئ الجنوبية التي تقع في مناطق الحكومة أعلى من كلفة الاستيراد عبر الموانئ الشمالية الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. ما دفع التجار إلى إعادة توجيه تدفقاتهم نحو منافذ خارج نطاق التحصيل الحكومي الرسمي.
وتؤكد بيانات البنك الدولي أن واردات ميناء عدن انخفضت بنسبة 61% (أي ما يعادل 2.73 مليون طن) بين يناير–أغسطس 2022 ويناير–أغسطس 2023، وتراجعت حصته من إجمالي الواردات من 47.8% إلى 22.7% خلال الفترة نفسها (المرصد الاقتصادي لليمن، 2023، ص12). هذا الانخفاض الحاد لم يكن مجرد تراجع في أرقام الموانئ، بل يعكس إعادة توجيه هيكلية للتجارة بعيداً عن سيطرة الحكومة، بما يضعف القاعدة الإيرادية للدولة ويقوض دور الموانئ الجنوبية كمنافذ سيادية.
كما أوضحت تقارير البنك الدولي (2023 و2024) أن الواردات عبر الموانئ الجنوبية تراجعت بشكل حاد، مقابل ارتفاع واردات الموانئ الشمالية الخاضعة للحوثيين. وتبين بيانات ACAPS مشروع تقييم القدرات (WORLD BANK, 2023) أن واردات ميناء عدن انخفضت من أكثر من 4 ملايين طن إلى أقل من 2 مليون طن، مقابل ارتفاع في الموانئ الشمالية مثل رأس عيسى. أما تقرير البنك الدولي (المرصد الاقتصادي، 2025، ص11) فقد أكد أن حصة الموانئ الحوثية ارتفعت بشكل متسارع بين 2020 و2022، ثم استقرت عند مستويات مرتفعة خلال 2023 و2024، في حين تراجعت حصة الموانئ الحكومية بشكل مستمر. علاوة على ذلك، فقد أكد تقرير البنك الدولي 2023 أن التحول نحو الموانئ الشمالية أدى إلى تراجع متوقع في الإيرادات الجمركية رغم رفع سعر الصرف المستخدم في الرسوم الجمركية.
إن تجاهل الصندوق لهذه الحقائق يثير إشكالية منهجية عميقة: فبدلاً من معالجة جذور المشكلة المتمثلة في ضعف الحوكمة وتجزئة منظومة التحصيل، يقترح أداة سعرية تزيد من تفاقمها. فرفع سعر الدولار الجمركي في بيئة منقسمة ومفتتة مؤسسياً لا يؤدي إلى تعزيز الإيرادات، بل يسرع من انتقال التجارة إلى منافذ خارج السيطرة الحكومية، ويحول السياسة الجمركية من أداة سيادية لتعظيم الإيرادات إلى عامل طرد للتجارة الرسمية.
وبذلك يصبح رفع سعر الدولار الجمركي في السياق اليمني سياسة عكسية الأثر، إذ يفاقم الانقسام الاقتصادي بين الشمال والجنوب، ويضعف قدرة الحكومة المعترف بهاد دولياً على الحفاظ على مواردها، ويؤكد أن الحلول السعرية في غياب إصلاح مؤسسي شامل ليست سوى وصفة لتآكل الإيرادات وتعميق الأزمة.
3. "تزايد التهريب"
يمثل موقف صندوق النقد الدولي من السياسة الجمركية في اليمن إخفاقاً تحليلياً وتناقضاً داخلياً يصعب تبريره. ففي تقرير الصندوق لعام 2019 حول إصلاح الإدارة الجمركية في الدول منخفضة الدخل والهشة، يؤكد أن الاعتماد على الأدوات السعرية في بيئات ضعيفة الحوكمة يؤدي إلى تراجع الامتثال، وانكماش القاعدة الإيرادية، وتحول النشاط التجاري إلى القنوات غير النظامية، ما لم تسبق هذه السياسات بإصلاحات مؤسسية جوهرية.
لكن في بيان بعثته الرابعة 2025، ورغم اعترافه بأن اتساع نطاق التهريب كان سبباً مباشراً لانخفاض الإيرادات الحكومية، أوصى الصندوق برفع سعر الدولار الجمركي باعتباره أداة لزيادة الإيرادات، في تجاهل واضح لما قرره نظرياً في أدبياته السابقة. إذ أن زيادة الرسوم الجمركية في بيئة ينتشر فيها التهريب لا تعالج الاختلال، بل تضاعف الحوافز التي تغذيه، ما يجعل التوصية مناقضة للتشخيص ذاته.
ويزداد هذا التناقض وضوحاً عند الرجوع إلى التقرير الفني للصندوق حول الإصلاحات الجمركية في اليمن (2026)، الذي يقر بضعف مؤسسي حاد، وتدن واسع في مستويات الامتثال، وقصور في قدرات الإنفاذ والرقابة، بالإضافة إلى انقسام إداري وجغرافي يسمح بتدفق الواردات خارج نطاق التحصيل الرسمي. في مثل هذه البيئة، لا يعد رفع الرسوم أو تعديل سعر الدولار الجمركي سياسة إيرادية، بل آلية لتوسيع اقتصاد الظل وتعظيم الفجوة بين التكلفة الرسمة وغير الرسمية للاستيراد.
علاوة على التهريب التقليدي، فإن رفع سعر الدولار الجمركي يفتح الباب أمام أشكال أكثر تعقيداً مثل التحايل التجاري وإعادة الشحن، حيث يلجأ المستوردون إلى التلاعب بالفواتير، إعادة الفوترة عبر وسطاء، تغيير بنود التعرفة، أو استخدام بلد منشأ بديل، بما يبقي التدفقات رسمية شكلياً لكنه يفرغ السياسة الجمركية من مضمونها الإيرادي. أما إعادة الشحن فهي الأخطر، إذ تتحول إلى هندسة كاملة لمسار التجارة عبر موانئ وسيطة منخفضة الرسوم، مع تعديل الوثائق وشهادات المنشأ لتقليل الالتزامات الجمركية، وغالباً ما تتم هذه الممارسات بتواطؤ شبكات لوجستية ووسطاء ماليين، ما يجعل الإيراد الفعلي لا يصل إلى الخزينة ويزيد تعقيد الرقابة وتكاليفها.
ويجدر التنويه أن رفع سعر الدولار الجمركي في موانئ الحكومة المعترف بها دولياً جعل تكلفة التخليص فيها أعلى من الموانئ الشمالية الخاضعة للحوثيين، ما دفع التجار إلى الاستيراد عبر تلك الموانئ ثم توزيع البضائع في مناطق الحكومة، وهو ما أدى إلى فقدان جزء من الإيرادات الجمركية وتراجع إجمالي الموارد العامة كنتيجة مباشرة للقرار. وبهذا يصبح رفع سعر الدولار الجمركي محفزاً مباشراً للتحايل والتهريب المنظم، كما تؤكد أدبيات الصندوق نفسه (IMF, 2019)، التي تحذر من الاعتماد على الأدوات السعرية في بيئات ضعيفة الحوكمة.
4. "استقطاع المحافظات لإيرادات الحكومة" و"اختلاف معدلات الضرائب، وتفاوت التعريفات الجمركية"
يقر بيان بعثة صندوق النقد الدولي 2025 بأن تراجع الإيرادات الحكومية يعود أساساً إلى اختلالات حوكمية واضحة؛ من استقطاع بعض المحافظات للإيرادات إلى تفاوت التعريفات الجمركية نتيجة التنافس بين المنافذ، مما أضعف الحصيلة الممكنة للحكومة المعترف بها دولياً. ويؤكد هذا الإقرار أن المشكلة مؤسسية، وليست مسألة مستوى تعرفة فقط، بل تعكس تفكك منظومة التحصيل وغياب التوحيد المؤسسي.
ومع ذلك، يظهر تناقض منهجي حين يوصي البيان برفع سعر الدولار الجمركي لتعزيز الإيرادات، رغم اعترافه بأن أسباب التراجع مؤسسية لا تعالج بتعديل سعري. ويتعزز هذا التناقض بالرجوع إلى تقارير الصندوق منذ 2005، التي نادت بأولوية إصلاح الإدارة الضريبية والجمركية كشرط سابق لأي زيادة مستدامة في الإيرادات، وإلى تقريره لعام 2019، الذي حذر من أن اللجوء إلى أدوات سعرية في دول هشة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل زيادة التهريب وتآكل الحصيلة. كما يشير تقرير المساعدة الفنية حول الجمارك اليمنية لعام 2026 إلى استمرار ضعف الأطر القانونية، وتجزيء الصلاحيات، ومحدودية الامتثال والرقابة، لتظل الشروط المؤسسية اللازمة قبل أي تعديل سعري غائبة.
رابعاً: فشل رفع سعر الدولار الجمركي في غياب الإصلاح المؤسسي
أدلة من التجربة اليمنية (2021–2023)
تظهر التجربة اليمنية بوضوح أن رفع سعر الدولار الجمركي في عامي 2021 و2023 فشل في تحقيق هدفه المعلن المتمثل في تعزيز الإيرادات الحكومية، بل أسفر عن نتائج عكسية. فقد تزامن تطبيق القرار مع تراجع ملموس في الإيرادات، نتيجة انخفاض التحصيل الجمركي وتحول جزء من النشاط التجاري نحو الموانئ الشمالية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، عقب اتساع الفجوة الجمركية بين المناطق.
وعلى الرغم من تزامن ذلك مع توقف صادرات النفط منذ 2022، فإن رفع الدولار الجمركي لم يعوض الفاقد في الموارد، ولم يحافظ على الإيرادات غير النفطية، بل عمق اختلالات التحصيل وحول الجمارك من أداة سيادية لتعظيم الإيرادات إلى قناة استنزاف مالي.
وتؤكد بيانات البنك الدولي هذه النتيجة؛ إذ انخفضت الإيرادات الجمركية من 1.0% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021 إلى 0.4% في عام 2024، أي بتراجع يقارب 60% في الوزن النسبي للإيرادات الجمركية داخل الاقتصاد خلال ثلاث سنوات (WORLD BANK, 2025) وفي المقابل، ظلت الإيرادات العامة عند مستويات ضعيفة دون أي تحسن مستدام، حيث يبين تقرير المرصد الاقتصادي لعام 2024 أن إيرادات الحكومة المعترف بها دولياً تراجعت بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي (WORLD BANK, 2024).
ولم تقتصر الآثار السلبية على المالية العامة، بل رافق القرار ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية ومعدلات التضخم، ما يعني انتقال العبء النهائي لرفع سعر الدولار الجمركي مباشرة إلى المستهلك، في بيئة تفتقر إلى أدوات تعويض اجتماعي أو ضبط فعال للأسواق. فقد ارتفع معدل التضخم حسب بيانات تقرير البنك الدولي 2025 إلى مستويات تجاوزت 30% في عام 2024، وهو ما انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، وأدى إلى تفاقم الأزمة المعيشية.
تكشف هذه الأرقام خللاً مؤسسياً عميقًا، فبدل أن يؤدي رفع سعر الدولار الجمركي إلى تعظيم الإيرادات الحكومية، أدى إلى انكماشها، بما يؤكد أن الأداة السعرية لم تعمل عبر القنوات النظرية المفترضة في أدبيات المالية العامة، بسبب غياب الشروط المؤسسية اللازمة.
وبالتالي فإن رفع سعر الدولار الجمركي في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحوكمة لا يمثل سياسة إيرادية، بل وصفة مؤكدة لتآكل الإيرادات وتعميق الأزمة. ما يؤكد أن الإصلاح المؤسسي الشامل قبل اللجوء إلى الأدوات السعرية يمثل الطريق الوحيد الأمثل، وما عداه مجرد إعادة إنتاج للفشل. ومن هنا ينتفل النقاش من التناقض المنهجي إلى أولويات الإصلاح المؤسسي وترتيبها، وهو ما سأتناوله في الجزء الثالث من هذا المقال.
د. وليد عبد الله الوليدي
(يتبع في الجزء الثالث…)


