حين تفقد الخطبة بوصلتها: السرقة أنموذجا
بقلم: حسن الكنزلي
ليس كل من اعتلى المنبر أصاب الغاية، ولا كل من رفع صوته بالموعظة أحسن البلاغ؛ فبين الخطبة التي تُحرّك العقول، وتوقظ الضمائر، وتدفع إلى التغيير، والخطبة التي تكتفي بترديد المعلوم وتدوير البدهيات مسافةٌ واسعة، هي المسافة بين الخطاب الحيّ والكلام المستهلَك.
نستمع أحيانا إلى خطبة عن السرقة، فنخرج منها كما دخلنا:
نعرف أنها حرام، نعرف أنها اعتداء، نعرف أن التربية مهمة...
كل هذا نعرفه قبل أن يصعد الخطيب المنبر، وربما نردده نحن لأنفسنا أكثر مما ردده هو.
وهنا تبدأ المشكلة: حين يُختزل الموضوع؛ يضيع الأثر!
السرقة – مثلا – ليست مجرد يد تمتد إلى مال غيرها؛ بل هي ظاهرة اجتماعية مركبة، لها جذور وأسباب، ولها آثار تتجاوز الجيب إلى القلب، وتتعدى الفرد إلى المجتمع، وتمتد من الأخلاق إلى السياسة والاقتصاد؛ لكن بعض الخطب تختزلها في:
– تعداد صور السرقة
– تقرير حرمتها
– حصر سببها في ضعف تربية الوالدين
– وحصر ضررها في ضياع المال
فتتحول الخطبة من معالجة جادة إلى وصف سطحي، ومن تشخيص إلى تكرار، ومن رسالة إصلاح إلى كلام إنشائي لا يغيّر شيئا.
من أكبر أخطاء الخطاب الوعظي غير الموضوعي: أن يبحث عن سبب واحد لظاهرة معقدة، ثم يلقي عليه كل الأوزار. نعم، الأسرة مسؤولة؛ لكن هل الفقر لا مسؤول؟ وهل البطالة بلا أثر؟ وهل الفساد العام بريء؟ وهل غياب العدالة لا يولّد اعتداء؟ وهل سرقة الكبير لا تُغري الصغير؟
حين نُدين الأب والأم وحدهما، ونُعفي المجتمع، والدولة، والإعلام، والقدوة العامة، فإننا لا نعالج المشكلة؛ بل نُجمّلها بالكلام.
المال المسروق قد يُعوَّض؛ لكن ما لا يُعوَّض هو:
– خوف الناس على ممتلكاتهم
– انهيار الثقة بينهم
– اهتزاز الشعور بالأمان
– تطبيع الجريمة في الوعي العام
– تآكل هيبة القانون
– وتحوّل الاعتداء إلى “شَطارة”
والسرقة إذا تُركت بلا وعي ولا عدالة، لا تُفقِر جيوب الناس فقط؛ بل تُفقِر أرواحهم.
من التناقضات المؤلمة في خطابنا:
– أن نُغلّظ القول على سارقٍ ضعيف؛ ونصمت عن ناهبٍ كبير.
– نستنكر سرقة هاتف، ونتجاهل سرقة وطن.
– نُدين من سرق لقمة، ونبرر لمن سرق خزائن.
وهذا الصمت أخطر من السرقة نفسها؛ لأنه يُعلّم الناس أن الجريمة ليست في الفعل؛ بل في موقع الفاعل.
نحن لا نحتاج خطبة تُذكّرنا بما نعرف؛ بل خطبة:
– تُوسّع رؤيتنا
– تكشف جذور الداء
– توزّع المسؤولية بعدل
– تواجه التناقض الأخلاقي بشجاعة
– تربط الحكم الشرعي بواقع الناس
– وتفتح باب الأمل والإصلاح، لا باب الاتهام فقط
الخطبة المؤثرة لا تُسكّن الضمير؛ بل توقظه. ولا تكتفي بالوعظ؛ بل تبني وعيًا. ولا تبرّئ الواقع؛ بل تُحاكمه بالقيم.
ختاما: المنبر أمانة، والكلمة مسؤولية، وأخطر ما يصيب الخطاب الديني أن يتحول إلى تكرار آمن لا يُغضب أحدا ولا يُصلح شيئا.
حين تفقد الخطبة موضوعيتها؛
تفقد قدرتها على التغيير.
وحين تستعيد وعيها؛ تستعيد الأمة معها قدرتها على النهوض؛ لأن الكلمة الصادقة، حين تُقال بوعي وشجاعة؛ قد تمنع جريمة، وقد تُنقذ مجتمعا بأكمله.


