الذي لا نناقشه في اليمن؟ ولماذا تختفي القضايا المصيرية خلف الضجيج الهامشي؟

ما في كل الأزمات الكبرى، لا تكون المشكلة في غياب الحديث عن الحلول، بل في غياب النقاش حول ما هو جوهري. فالبلدان لا تنهار فقط بفعل الحروب والصراعات، وإنما أيضا نتيجة انشغال نخبها السياسية والإعلامية والمجتمعية بقضايا جانبية تستهلك الوقت والجهد، بينما تُترك الملفات المصيرية خارج دائرة الضوء.

في المشهد اليمني اليوم، يلاحظ المتابع أن زخما إعلاميا كبيرا يُبذل يوميا، لكن أثره على وعي الناس وفهمهم لما يجري فعليا يبدو محدودا. لا لأن القضايا غير موجودة، بل لأن الضوء غالبا ما يُسلَّط على ما هو أكثر إثارة وأسهل تداولا، لا على ما هو أعمق أثرا وأبعد مدى. وبينما تتكرر المعارك الكلامية، والجدل حول تصريحات هامشية، وصراعات شخصية، وحملات استقطاب لحظي، تتوارى قضايا تمس حاضر اليمن ومستقبله خلف هذا الضجيج.

السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم لا يخص الإعلام وحده، ولا الحكومة وحدها، ولا المواطن وحده، بل يخص الجميع: ما هي القضايا التي كان يجب أن تكون في صدارة النقاش العام، ولماذا غابت؟

أولى هذه القضايا مسألة التمثيل الشعبي. من يعبّر فعليا عن إرادة الناس، خاصة في ظل توقف عمل مجالس التمثيل المحلي والبرلماني؟ وكيف تُتخذ قرارات سياسية واقتصادية مصيرية دون نقاش عام واسع أو مساءلة حقيقية؟ ولماذا تراجع هذا السؤال، رغم كونه أساس أي حديث عن شرعية أو استقرار؟

ثم تأتي قضية الموارد السيادية والفرص المعطّلة؛ النفط، الغاز، الموانئ، والموقع الجغرافي. ملفات يُفترض أن تكون في قلب أي نقاش وطني، لكنها غالبا ما تُدار بعيدا عن الرأي العام، دون شفافية كافية، ودون توضيح لحجم الخسائر أو فرص الإنقاذ الممكنة. كيف يمكن لمجتمع أن يصمد اقتصاديا وهو لا يعرف كيف تُدار موارده؟

ويتفرع عن ذلك سؤال القرار السيادي: من يملك القرار في اليمن اليوم؟ ومن ينفّذه؟ ومن يتحمّل كلفته السياسية والاقتصادية؟ ولماذا يُستعاض عن هذا النقاش بالاصطفافات والشعارات بدلا من طرحه بوضوح ومسؤولية؟

وفي ظل كل ذلك، هناك حرب منسية لا تقل قسوة عن الحرب العسكرية؛ حرب المعاناة اليومية لملايين اليمنيين. ملفات الفقر، والنزوح، وتدهور الخدمات، وانهيار القدرة المعيشية لم تعد تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، ربما لأنها لم تعد "خبرا جديدا"، رغم أنها الواقع اليومي لغالبية الناس.

ومن أخطر القضايا التي تراجعت إلى الهامش ملف التعليم. انهيار المنظومة التعليمية لا يهدد جيلا واحدا، بل يهدد فكرة الدولة نفسها. ومع ذلك، نادرا ما يُناقش هذا الملف بوصفه أولوية وطنية، أو يُربط بما سيترتب عليه من آثار اقتصادية واجتماعية وأمنية في المستقبل.

كما يغيب النقاش الجاد حول التخطيط والحوكمة. لماذا تفشل المؤسسات في إدارة المتاح قبل أن تطلب المزيد؟ ولماذا لا تُطرح أسئلة المسؤولية والمساءلة الإدارية بوضوح؟ إن غياب الرؤية لا يقل خطرا عن غياب الموارد.

إلى جانب ذلك، تستمر ثقافات سلبية في إعادة إنتاج نفسها؛ المناطقية، والعنف اللفظي، وتقديس الأشخاص، وتبرير الفشل. ثقافات تُضعف النسيج الاجتماعي وتشوّه النقاش العام، ومع ذلك نادرا ما تُناقش بوصفها مشكلات بنيوية لا مجرد سلوكيات فردية.

ولا يمكن تجاهل قضية تشكيل الوعي الجمعي. من يشرح للناس ما يجري؟ من يربط الأحداث بسياقها؟ من يساعد المواطن على الفهم لا على الانفعال؟ حين يُترك الوعي العام بلا تفسير مهني، يصبح عرضة للشائعات والتضليل والاستقطاب.

وأخيرا، يبرز ضعف الوعي القانوني والدستوري. كثير من اليمنيين لا يعرفون حقوقهم، ولا حدود سلطاتهم، ولا طبيعة الدولة التي يُفترض أن يعيشوا في ظلها. هذا الغياب للمعرفة ليس أمرا بسيطا، بل مدخلا لتكريس الفوضى وتغييب المساءلة.

هذه الأسئلة لا تهدف إلى توجيه اللوم بقدر ما تهدف إلى إعادة ترتيب الأولويات. فالقضايا المنسية لا تختفي لأنها غير مهمة، بل لأنها مؤجلة. لكنها تعود دائما، وبكلفة أعلى، حين يصبح تجاهلها غير ممكن.

ربما آن الأوان أن نخفف من الضجيج، ونطرح الأسئلة الأصعب، لا لأنها مريحة، بل لأنها ضرورية. فمستقبل اليمن لن يتحدد بعدد الأخبار المتداولة، بل بنوعية القضايا التي نختار أن نناقشها بوعي ومسؤولية.
فهل سيتزامن إعلان برنامج الحكومة الجديدة، خلال الفترة الدستورية المحددة بــ(25) يوما من تاريخ تشكيلها، مع عودة منصة برلمانية دائمة تُناقش مدى تضمين قضايا الناس الجوهرية ضمن أولويات البرنامج، وستعود من خلالها نقاشات التقييم والمتابعة إلى صدارة الإعلام الرسمي والشعبي؟ أم أننا سنظل أسرى الضجيج الهامشي، منشغلين بجدل لا ينتهي من نوع: فلان صرّح، وفلان نفى، وفلان كذّب، وفلان لا مثيل له، بينما تظل القضايا المصيرية خارج الضوء؟