​شبوة .. فخ « الأربعاء الدامي » وانكسار الحكمة!

لا أدري كيف تسللت « الغصة » إلى حلق عتق ، وهي المدينة التي راهنّا طويلاً على أن حكيمها « ابن الوزير » يمتلك من أدوات السياسة وفن الممكن ما يجنبها الانزلاق نحو المنحدرات الزلقة .. فبين حنكة القائد التي عهدناها ، ومرارة الواقع الذي افترش شوارع العاصمة يوم الأربعاء ، يبرز تساؤل مرّ كالعلقم : هل غابت الحكمة فجأة عن مشهدٍ كان يُدار بالمسطرة والفرجار ؟ أم أن الفخ كان من الإحكام والدهاء بحيث ابتلع الرجل طعماً ساماً طُبخ على نار هادئة خلف الكواليس المظلمة ؟

​لقد عُرف الرجل منذ اعتلائه صهوة القرار في شبوة بقدرته الفائقة على المشي فوق حبال السياسة المشدودة دون أن يترنح أو يسقط في هوة الصدام ، مغلباً لغة « الحوار » على لغة « النار » ، وهو ما منحه رصيداً شعبياً لم يكن هبةً من السماء  ولكن أتى كنتاج سياسة « النفس الطويل » في احتواء الأزمات وتفكيك العقد . 
إلا انه وبقدرة قادر ، جاء قرار اللجنة الأمنية الأخير بمنع الحشود في وقت متأخر جداً و لحظة زمنية حرجة  ليضع السلطة في مواجهة مباشرة مع شارعٍ مشحون بالعاطفة في مناسبة لها قدسيتها الوجدانية كـ « يوم الشهيد الجنوبي» .. كان حرياً بتلك الحكمة المفترضة أن تحول التظاهرة إلى ملحمة وطنية منضبطة عبر «التنسيق» لا «التضييق» ، وعبر « تأمين الساحات » لا « إغلاق المسامات » ، لأن بيانات المنع في بيئة قابلة للاشتعال ليست سوى أعواد ثقاب تُرمى في حقل من القش .

​الدماء التي سالت في « عتق » لا يجب التعامل معها على انها أخبار عاجلة تمر على شاشات التلفزة أو الصحف و مواقع التواصل الاجتماعي ، كونها للأسف تمثل « خدش عميق » في جدار الثقة الذي شيده المحافظ لبنةً لبنة مع أبناء جلدته .. فالدماء حين تسيل تخرس ألسنة السياسة ، وتفرض منطقاً مغايراً يفتح الثغرات لكل المتربصين والناقمين . 
واللجوء إلى قرار تشكيل « لجنة تحقيق » عقب الفأس التي وقعت في الرأس قد يبدو خطوة لتدارك ما يمكن تداركه ، لكنه يفتح باب الأسئلة على مصراعيه : هل تعرض الرجل لعملية « تضليل » ممنهجة من مطبخٍ سياسي معين أراد له هذا المصير ؟ 
​يبدو لي ، والله أعلم ، أن هناك من يسعى حثيثاً لـ « حرق كرت » ابن الوزير سياسياً ، وجرّه جراً إلى مربع العنف ليحصد رماد الخيبة .. والرجل اليوم يقف أمام اختبار تاريخي لا يقبل القسمة على اثنين : فإما أن ينتصر لتاريخه ويكشف الحقيقة بشجاعة الفرسان ويحاسب المتسببين مهما بلغت درجة قرابتهم أو رتبتهم ، وإما أن يترك رصيده الشعبي يتآكل تحت وطأة « وعود التحقيق » التي غالباً ما تذهب مع ريح النسيان ، ولن تضمد جراح أربعاءٍ دامي سيبقى طويلاً في ذاكرة الشبوانيين .