لبجني وبكاء وسبقني وشتكاء

إذا قُرئ المشهد الجنوبي اليوم خارج الانفعال، وبمنهج التحليل السياسي، فإنه لا يخرج عن كونه نموذجًا كلاسيكيًا لصراعٍ مُدار، لا لصراعٍ مفتوح. 
وفق نظريات الصراع الحديثة، لا تكون الهيمنة دائمًا في صورتها الخشنة، بل كثيرًا ما تتجلّى عبر التحكم بسقف الحركة، وإعادة تعريف الممكن سياسيًا، لا فرضه بالقوة المباشرة. وهذا بالضبط ما يعيشه الجنوب اليمني في علاقته مع دول التحالف.

في أدبيات الصراع، يميز منظرو المدرسة الواقعية بين الحسم والإدارة.
الحسم يُنتج فاعلًا سياسيًا جديدًا، أما الإدارة فتُبقي الفاعل في حالة اعتماد دائم.
 ما اختير للجنوب لم يكن الحسم، بل الإدارة؛ إدارة التوازن، إدارة الخلاف، وإدارة الوقت، فالوقت هنا ليس عامل ضغط، بل أداة ضبط، تُستخدم لإعادة تشكيل المطالب حتى تفقد حدّتها.

من منظور نظرية الهيمنة غير المباشرة 
 لا تحتاج القوة المهيمنة إلى السيطرة الكاملة، بل إلى منع الآخرين من امتلاك قرار مستقل.
 التحالف في هذا السياق لا يفرض نموذج حكم، لكنه يمنع تشكّله النهائي. الجنوب يُسمح له بالتحرك داخل مساحة مرسومة، لكنه يُوقَف كلما اقترب من التحول إلى كيان مكتمل الإرادة. هكذا يصبح الوجود السياسي مشروطًا، لا سياديًا.

أما الانقسام الداخلي، فيُقرأ وفق نظرية تفتيت الفاعل المحلي، حيث تُغذّى التباينات، أو يُترك لها أن تتفاقم، لتفقد القضية مركز ثقلها.

 ففي غياب مركز قرار موحّد، تتحول القوى إلى وحدات تفاوض صغيرة، يسهل احتواؤها أو موازنتها ببعضها. هذا ليس خللًا عشوائيًا، بل نتيجة منطقية لصراع يُراد له ألا ينتهي.

 والصراع منخفض الحدة إلى أن استمرار التوتر دون انفجار يخلق حالة إنهاك سياسي طويل الأمد.
 الجنوب اليوم يعيش هذه الحالة؛ لا انهيار شامل يسمح بإعادة بناء، ولا استقرار حقيقي يسمح بالتقدّم. في هذه المنطقة الرمادية، تُستنزف القضايا العادلة، لا بالقمع، بل بالإطالة.

وحين تبدأ الأطراف الأكثر نفوذًا بالشكوى من تعقيد المشهد، فإننا نكون أمام ما تصفه نظرية ارتداد الأداة: حين تصبح الآليات التي استُخدمت للضبط عبئًا على من استخدمها. فالسياسة التي تُراكم التعقيد لا يمكنها لاحقًا الادعاء بالدهشة منه.

 وهنا يتجسّد المثل الشعبي بوصفه توصيفًا بنيويًا لا انفعالًا لغويًا: لبجني وبكاء وسبقني وشتكاء.

تشابكٌ صنِع، ثم ضيق من نتائجه، ثم شكوى من أزمة لم تُفرض من الخارج، بل نمت داخل الإطار ذاته الذي رُسم لها.

 الجنوب يسبق في الشكوى لأنه في قلب التجربة، لا على هامشها.

وفق التحليل الصراعي، لا يمكن لأي تحالف أن يضمن استقرارًا دائمًا فوق قضية معلقة. 
فغياب الإرادة المحلية لا يُنتج أمنًا، بل هشاشة مؤجلة. 

وإذا استمر التعامل مع الجنوب بوصفه مساحة ضبط لا فاعلًا سياسيًا، فإن الصراع لن ينتهي، بل سيغيّر شكله فقط.

الخلاصة، وفق منطق التحليل لا الخطابة: إما انتقال من إدارة الصراع إلى حلّه، بما يعنيه ذلك من اعتراف بإرادة سياسية كاملة، أو استمرار في حلقة لبجٍ مفتوحة، تتكاثر فيها الشكاوى، ويطول فيها الانتظار. 

وفي كلتا الحالتين، يبقى المثل أصدق من البيان، لأنه يلخص ما تعجز عنه اللغة الدبلوماسية.