حين يتكلم الكون، ويصمت القلب إلا لله
لسنا نعيش في كون صامت كما نتصور؛ بل في كتاب مفتوح، صفحاته السماء، وحروفه النجوم، ومعانيه الحياة والموت والزمن. غير أن هذا الكتاب لا يقرأه كل من نظر، ولا يفهم لغته كل من رأى؛ فالعين قد تلتقط المشهد؛ لكن القلب وحده هو الذي يدرك المعنى. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
كم من عين حدّقت في السماء فلم تحصد إلا الغفلة! وكم من قلب تأمل فانكسر خشوعا وامتلأ يقينا! فليست المشكلة في قلة المشاهدة؛ بل في تعطيل البصيرة؛ ولهذا قال الله في وصف الغافلين: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾.
العلم، في جوهره، ليس خصما للإيمان؛ بل جسر إليه إذا سُلِك بتواضع. العلم الذي يكشف ضعف الإنسان يقرّبه من ربه، أما العلم الذي ينفخ فيه وهم السيطرة فيقطعه عن الحقيقة. ولعل أخطر ما يواجه الإنسان المعاصر أنه يعرف عن الكون أرقاما مذهلة؛ لكنه يجهل عن نفسه معنى وجوده؛ يعرف كيف يسافر بعيدا، ولا يعرف لماذا خُلق أصلا؛ فامتلأ معرفة، وافتقر طمأنينة.
ومنذ بدأ الإنسان رحلته في فهم الكون، وهو يكتشف في كل جيل أنه لم يصل بعد. نظريات تُراجع، وتصوّرات تُهدم، ونماذج كانت يقينا ثم صارت تاريخا. وليس في هذا ضعف للعلم؛ بل شهادة صادقة على محدودية العقل أمام عظمة الخلق.!﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ فالعلم الحقيقي لا يمنح يقينا مطلقا؛ بل يفتح أسئلة جديدة، وكلما اتسعت دائرة المعرفة، اتسع معها أفق الخشية.
حتى الزمان والمكان، اللذان نراهما ثابتين، ليسا كذلك. ما نظنه طويلا قد يكون في ميزان الكون لحظة، وما نراه مستقرا قد يكون في حركة لا تتوقف. وهنا يذوب وهم الدوام، ويسقط غرور الإنسان الذي يتصرف وكأن الدنيا خُلقت له وحده. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾؛ فالزمن ليس ملكا لنا! بل رأس مال نمضي به، شاء الزمن أم أبى.
وللكون بداية؛ لم يكن ثم كان. لم يخرج من عدم بلا سبب، ولم يولد صدفة بلا قصد. وهذه البداية نفسها رسالة: هناك إرادة، وهناك تقدير، وهناك ربّ قال للكون: كن، فكان.
العلم يصف الكيفية؛ لكنه يقف عاجزا أمام سؤال العلة والغاية. والقرآن لا ينازع في الوصف؛ لكنه يربط الوصف بالخالق: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
وحين ننظر إلى اتساع الكون، إلى مجرّات لا تُحصى ومسافات تفوق الخيال؛ نقف نحن نقطة صغيرة؛ بل أصغر من أن تُرى. هنا ينكسر وهم المركزية، ويسقط الكِبر العلمي، ويظهر الحجم الحقيقي للإنسان. ما قيمة من ظن أنه مركز الوجود، وهو لا يملك أن يؤخر أجله لحظة؟
العبودية لا تولد من الجهل؛ بل من المعرفة الصحيحة؛ معرفة الحجم الحقيقي، فكلما صغر الإنسان في عين نفسه، كبر الله في قلبه.
ثم تأتي تلك المناطق التي يصل إليها العقل فيقف، ينظر فلا يجد لغة تصف، ولا قانونا يشرح، ولا معادلة تطمئن. هناك، يعترف العلم بعجزه، لا هزيمة بل صدقا.
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
في هذا التوقف رسالة عميقة: ليس كل موجودٍ قابلا للإحاطة، وليس كل ما يُدرك يُحاط به.
وقد اعتاد الإنسان طويلا أن يظن أن المستقبل بيده، وأن العالم يسير كآلة محكمة. ثم اكتشف أن كثيرا من الأمور لا تُعرف إلا بعد وقوعها، وأن الغد ليس مضمونا.!﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾.
حينها يخف التعلّق بالسبب، ويقوى التعلّق بالمُسبِّب، ويستعيد القلب توازنه.
ويمضي الزمن في اتجاه واحد، لا يعود. نكبر ولا نصغر، تتغير الأشياء وتذبل؛ لأن كل ما يخضع للزمن مصيره الزوال. البيوت تتهدم، والأجساد تضعف، والأيام تطوى، وكأن الزمن واعظ صامت يقول: لا تتعلقوا بما لا يبقى.!﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾.
كثيرون يظنون أن القوانين تفسر كل شيء، وأن المعادلات أغنت عن الإيمان. لكن القانون يصف ولا يخلق، والمعادلة تشرح ولا تُوجِد. التفسير ليس إيجادا، والوصف ليس خلقا.!﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.
وحين يخلط الإنسان بين العلم والربوبية، يضل الطريق، لا لأن العلم خطأ؛ بل لأنه حُمِّل ما لا يحتمل.
العلم يجيب عن سؤال “كيف”، والإيمان يجيب عن سؤال “لماذا”. وحين يفترق المجالان يختل الميزان؛ عقلٌ بلا وحي يتيه، ووحيٌ بلا تفكر يجمُد. والإنسان الكامل هو من جمع بين النظر والسجود، بين السؤال والخشية.
في زمان اتسع فيه الكون في أعيننا، وضاقت فيه الصدور، كثرت المعلومات وقلّت الطمأنينة. عرف الإنسان كيف يصعد إلى السماء؛ لكنه نسي كيف يسجد على الأرض. ليست أزمتنا في قلة المعادلات؛ بل في غياب المعنى ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
العلم الحق يولد التواضع، وكلما كبر الكون في عينك؛ صغرت نفسك، وكبر ربك في قلبك. نهاية المعرفة ليست الغرور؛ بل الانكسار، وبداية العبودية ليست الجهل؛ بل البصيرة.
الكون آية لا إله، والعلم طريق لا غاية، والعقل شاهد لا حاكم.
وحين يتكلم الكون بكل هذا الاتساع؛ لا يليق بالقلب إلا أن يصمت؛ إلا لله.


