الهزيمة التي لا نراها
ليست كل هزيمة تُقاس بخسارة أرض أو انكسار سلاح أو تراجع اقتصاد. أخطر الهزائم تلك التي تقع في الداخل قبل أن تظهر آثارها في الخارج؛ هزيمة القيم، واضطراب الوعي، وغياب المحاسبة. فحين تختل الموازين في النفوس، وتضيع معاني الصدق والعدل والمسؤولية، يصبح السقوط الخارجي نتيجة طبيعية لا مفاجأة عابرة.
في كل أزمة نمر بها، يقف الإنسان أمام خيارين: إما تحمل المسؤولية بشجاعة، وإما الهروب منها بأعذار مريحة. الأول طريق صعب، لكنه مُنقِذ؛ يفتح باب الإصلاح ويعيد توجيه البوصلة. أما الثاني فراحة كاذبة، تُسكِّن الألم مؤقتا؛ لكنها تُراكم الفشل وتغلق أبواب النجاة؛ لذلك لم يجعل القرآن التغيير مرتبطا بالشعارات ولا بالظروف؛ بل ربطه بالداخل قبل الخارج: التغيير يبدأ من النفس، أو لا يبدأ أبدا.
لكن لماذا يسهل علينا اتهام الآخرين، ويصعب علينا نقد ذواتنا؟ لأن اتهام الغير يُخفّف وطأة الألم، بينما مواجهة النفس تحتاج صدقا وشجاعة وتواضعا. النفس التي تُدمن الأعذار تكره المرايا، والتي تعتاد الشماعات تهرب من الحساب. وهنا يبدأ الانحراف الأخطر؛ أن نعرف الحقيقة، ثم نهرب منها.
من أخطر مظاهر هذا الهروب الجماعي ظاهرةُ “كبش الفداء”؛ حين تُحوَّل مشاعر الغضب والفشل والعجز إلى هدف بديل؛ شخص، أو فئة، أو فكرة. يُلقى عليها اللوم، لا لأنها سبب الأزمة؛ بل لأنها أسهل من مواجهة الخلل الحقيقي. جذور هذه الظاهرة نفسية واجتماعية معقّدة: خوفٌ من الاعتراف بالخطأ، وحماية لوهم الصورة الجماعية، وقلقٌ يدفع الناس للبحث عن عدو يُريحهم من سؤال مؤلم: أين أخطأنا؟
اجتماعيا، تُغذّي هذه الآلية ضغطَ الجماعة، وتصنع إجماعًا زائفًا يُكافئ الاتهام ويعاقب المراجعة، ويبحث عن تماسكٍ وهمي عبر عدوٍّ مشترك، بدل تماسك حقيقي يقوم على الإصلاح الصادق. وهكذا يُتَّهَم البريء، ويُبرَّأ المذنب، ويُقلب ميزان العدل رأسا على عقب.
المشكلة لا تبدأ من الجماعة؛ بل من الفرد. من إنسان يُسقِط أخطاءه على غيره، ويعلّق تقصيره على الظروف، ويبرّر ضعفه الديني أو الأخلاقي أو المهني بسلسلة لا تنتهي من الأعذار. حينها تموت محاسبة النفس، ويتوقف نموّها، ويُغلق باب التزكية. العجز الحقيقي ليس في قلة الإمكانات؛ بل في إتقان تبرير الفشل.
وحين تتحوّل هذه العقلية إلى سلوك جماعي، تُصنَع الأعداء صناعة. يُختلق عدو داخلي أو خارجي، ويُضخَّم، ويُقدَّم للجمهور بوصفه سبب كل إخفاق؛ فتُغلق ملفات التقصير الحقيقي. هنا يتحوّل الإعلام والخطاب الديني أو السياسي من أدوات وعي إلى أدوات تعبئة، ومن وسائل إصلاح إلى وسائل تخدير. ينتقل المجتمع من نقد بنّاء يُصلح المسار، إلى تخوين وشيطنة تُفسد القلوب وتمزّق الصفوف.
النتيجة خطيرة؛ بدل أن نسأل “كيف نُصلِح؟” نسأل “من نُدين؟”، وبدل أن نبحث عن الخلل؛ نبحث عن متَّهَم. وبدل أن نواجه الهزيمة في الداخل؛ نختلق عدوا في الخارج؛ لكن سنن النصر والهزيمة لا تُدار بالشعارات، ولا تتغيّر بالاتهامات. العلاقة بين الأخطاء الداخلية والنتائج الخارجية علاقة سببٍ بمسبّب، لا قفز فيها على الحقائق.
حين يسود منطق “كبش الفداء”؛ يتمزّق نسيج المجتمع. تُكسَر الثقة بين الناس، ويعيش الجميع في حالة ترقّب وشك. ومع فقدان الثقة؛ لا يقوم بناء ولا يثبت إصلاح؛ تتفكك العلاقات الأسرية والاجتماعية، ويُطبَّع العنف اللفظي والرمزي، وتصبح السخرية والتخوين لغة يومية. في هذا المناخ، يُستنزف الجهد في الصراع، لا في البناء، وفي تصفية الحسابات، لا في تصحيح المسارات.
وحين يصبح “العدو” شماعة دائمة، يُغلق باب المراجعة. كلما طُرح سؤال الإصلاح، أُشير إليه لإسكاته. تُغيَّب الأسئلة الصعبة التي لا نهضة بدونها: أين أخطأنا؟ ماذا قصّرنا؟ كيف نُصلِح؟ ويُستبدل العمل بالجدل، والصدق بالشعارات. والجدل، مهما بدا حادا، لا يُقيم حضارة.
من هنا تبدأ المعركة الحقيقية؛ معركة التربية والوعي. فإمّا أن نُربّي أبناءنا على تحمّل المسؤولية، أو نُخرج أجيالً محترفة في الهروب؛ فالطفل الذي يتعلّم أن الخطأ دائما من غيره؛ يكبر وهو يبحث عن كبش فداء لكل فشل. نحن بحاجة إلى وعي ناقد لا وعي اتّهامي؛ وعي يسأل ليُصلِح، لا ليُدين؛ يفتّش عن الخلل ليُعالجه، لا عن شخصٍ ليُحطّمه.
التاريخ واضح لمن أراد أن يعتبر؛ ما سقطت أمةٌ إلا يوم أغلقت باب المراجعة وفتحت باب التبرير، وما انهارت حضارة إلا حين أنكرت خللها الداخلي وعلّقت فشلها على شماعات الخارج. وفي المقابل، ما قامت أمة إلا حين بدأت بإصلاح نفسها قبل اتهام غيرها. التغيير الذي لا يبدأ من الداخل لا يصل إلى الخارج، مهما ارتفعت الشعارات.
لا حصانة من داء “كبش الفداء” إلا بثقافة بديلة؛ ثقافة المحاسبة لا ثقافة الشمّاعة. أن نسأل: ماذا علينا؟ قبل أن نسأل: من علينا؟ وأن نُحيي فقه النقد الذاتي المنضبط؛ نقدا يقصد الإصلاح، لا التشهير، ويطلب الحق، لا الغلبة. وأن نفرّق بوضوح بين العداوة الحقيقية والعداوة المصنوعة؛ فليس كل مختلف عدوا، ولا كل ناقد خائنا.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى خطاب ديني وإعلاميّ مسؤول، لا يُغذّي الغضب الأعمى، ولا يُدير الجماهير بالخوف؛ بل يوقظ الوعي، ويضع اليد على موضع الداء، ويقود إلى الإصلاح لا إلى الصراع.
في النهاية؛ لا ننتصر باتهام غيرنا؛ بل بإصلاح أنفسنا. ولا يُبنى مجتمع بالهروب؛ بل بالشجاعة الأخلاقية. الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة؛ بل بداية النصر. أخطر الهزائم أن نخدع أنفسنا، وأخطر الانتصارات الوهمية أن نكسب معركة الاتهام ونخسر معركة الصدق. أمّا النصر الحقيقي؛ فيبدأ حين نواجه خللنا بشجاعة، ونُصلح الداخل؛ قبل أن نبحث عن عدو في الخارج.
نسأل الله ان يرنا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرنا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسا علينا؛ فنضل.
ودمتم سالمين!


