الأوضاع الراهنة في الجنوب.. بين تحديات المرحلة وضرورة تغليب مصلحة الوطن

تمر المحافظات الجنوبية بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، في ظل استمرار تداعيات الحرب التي اندلعت منذ عام 2015 عقب سيطرة جماعة أنصار الله على صنعاء، وتدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية لدعم الحكومة المعترف بها دولياً. وبين تعقيدات المشهد الوطني، يبرز الجنوب كساحة حيوية تتجاذبها المشاريع السياسية المختلفة، وتتأثر بشكل مباشر بتقلبات الوضع العام في البلاد.

لقد عانى الجنوب خلال السنوات الماضية من أزمات متراكمة؛ فإلى جانب التدهور الاقتصادي وارتفاع أسعار السلع الأساسية وانقطاع الخدمات، برزت إشكاليات سياسية تتعلق بشكل الدولة ومستقبلها، ومطالب فئات واسعة من الشارع الجنوبي بإعادة النظر في طبيعة الشراكة الوطنية. وتجلت هذه المطالب في مواقف وتحركات يقودها المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يطرح رؤية مختلفة لمستقبل الجنوب، في مقابل رؤية الحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة من المجتمع الدولي.

غير أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في التباينات السياسية، بل في غياب إطار جامع للحوار الصادق والشفاف، القادر على استيعاب مختلف الأطراف وتوحيد الجهود نحو هدف أسمى: إنقاذ الوطن من دوامة الصراع. فالوطن، شمالاً وجنوباً، يواجه تحديات وجودية تتطلب تغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، وتقديم التنازلات المتبادلة من أجل تحقيق الاستقرار.

إن تغليب مصلحة الوطن لا يعني إلغاء المطالب أو تجاهل التباينات، بل يعني إدارتها بالحكمة والعقلانية، بعيداً عن لغة التخوين أو الإقصاء. فالتجارب التاريخية تثبت أن الصراعات الداخلية، مهما طال أمدها، لا تُحسم إلا عبر طاولة الحوار. والحوار هنا ليس مجرد لقاءات بروتوكولية، بل عملية سياسية متكاملة تقوم على الاعتراف المتبادل، والالتزام بنتائج التفاهمات، وتوفير ضمانات تنفيذية واضحة.

كما أن تحسين الأوضاع المعيشية يجب أن يكون أولوية قصوى. فالمواطن الجنوبي – كما هو المواطن في بقية المحافظات – لم يعد يحتمل مزيداً من الأزمات. الكهرباء، والمياه، والرواتب، وفرص العمل، والأمن، كلها ملفات ملحة تتطلب تنسيقاً عاجلاً بين مختلف القوى. ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح في ظل بيئة اقتصادية منهارة أو حالة من انعدام الثقة بين الشارع والسلطات القائمة.

إن المجتمع الدولي والإقليمي مطالب بدوره بدعم مسار السلام الشامل، وتشجيع الأطراف على الانخراط في مفاوضات جادة تُفضي إلى تسوية عادلة ومستدامة. غير أن المسؤولية الكبرى تظل وطنية بالدرجة الأولى؛ إذ لا يمكن لأي دعم خارجي أن يعوّض غياب الإرادة الداخلية.

وفي ظل هذه المرحلة المفصلية، يبرز خيار الحوار كطريق وحيد للخروج بالبلاد إلى بر الأمان. فالحلول العسكرية أثبتت محدوديتها، والاستقطاب الحاد لا يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام. أما التفاهم والتوافق، فهما الأساس لبناء دولة مستقرة، تحترم تطلعات مواطنيها، وتضمن العدالة والشراكة في السلطة والثروة.

إن الجنوب اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة دوره في إطار مشروع وطني جامع، يقوم على أسس واضحة من الشراكة والاحترام المتبادل. ولن يتحقق ذلك إلا بتغليب صوت العقل، وتقديم مصلحة الوطن على أي اعتبارات أخرى. فالوطن يتسع للجميع، ومستقبله ينبغي أن يُبنى بالحوار، لا بالصراع، وبالتوافق، لا بالإقصاء.

ختاماً، إن الأوضاع الراهنة، على صعوبتها، يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة إذا ما توافرت النية الصادقة والإرادة السياسية. فالبلاد بحاجة إلى رؤية وطنية جامعة، تضع الإنسان وكرامته وأمنه في صدارة الأولويات، وتسعى إلى ترسيخ الاستقرار والعدالة. وعندها فقط يمكن أن تمضي اليمن، جنوباً وشمالاً، بثقة نحو بر الأمان