حين يُساء فهم الجنوب: رسالة سياسية هادئة من عمق التاريخ والهوية

في خضم التصعيد السياسي وتراكم الأزمات، تبرز الحاجة إلى خطاب متزن يضع الحقائق في سياقها، بعيدًا عن الاستفزاز وسوء التقدير. فالجنوب، بتاريخِه ونسيجِه الاجتماعي، ليس ساحةً مفتوحة لتجارب سياسية عابرة، ولا مساحةً قابلة لإعادة التشكيل وفق مشاريع لا تنطلق من إرادة أهله.

قبائل ردفان والضالع ويافع تمثل جزءًا أصيلًا من هذا الجنوب، بجذوره العميقة وتجربته الطويلة في مقاومة الهيمنة ورفض الإقصاء. هذه المناطق لم تكن يومًا هامشًا في معادلة التاريخ، بل كانت في صلب الأحداث والتحولات الكبرى، وقد أثبتت عبر الزمن أن الكرامة والسيادة ليستا شعارات، بل مواقف تُدافع عنها الشعوب حين تُمس حقوقها.

الجنوب لا يرفض الحوار، ولا يُعادي السلام، لكنه يرفض الفرض والإملاء. فالوحدة، إن كُتب لها أن تكون يومًا، لا يمكن أن تقوم على القسر أو تجاهل الإرادة الشعبية، بل على شراكة عادلة واختيار حر. أما السياسات التي تعيد إنتاج ممارسات ما قبل 2010، من مركزية مفرطة وهيمنة وإقصاء، فقد أثبتت فشلها، وكانت سببًا رئيسيًا فيما وصل إليه المشهد اليمني اليوم.

لقد شكّل عام 2015 لحظة فارقة، حين وقفت عدن شامخة في وجه الاحتلال، وقدّم أبناؤها نموذجًا عالميًا للصمود الأسطوري. تلك اللحظة لم تكن حدثًا عابرًا، بل رسالة واضحة بأن هذا الشعب قادر على الدفاع عن أرضه وقراره مهما كانت التحديات.

إن المطالبة بالخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وعيش كريم ليست مِنّة من أحد، بل حق أصيل للمواطن، لا يجوز استخدامه كورقة ضغط سياسية. فالخدمات تُقدَّم للشعوب لأنها تستحقها، لا لأنها تُكافأ على مواقفها.

ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة موجّهة إلى القيادة اليمنية، وعلى رأسها رشاد العليمي، بأن يكون التركيز على معالجة أزمات الشمال أولًا، واستعادة الاستقرار فيه، قبل الخوض في شؤون الجنوب وفرض رؤى لا تعبّر عن تطلعات أبنائه.

إن الجنوب، برجاله ونسائه، لا يبحث عن صدام، بل عن اعتراف واحترام. يريد أن يعيش بسلام على أرضه، وأن تُصان كرامته، وأن يُترك له حق تقرير مصيره بعيدًا عن الضغوط. فالتاريخ علّمنا أن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تتنازل عن هويتها، ولا تفرّط بحقها في الحرية والكرامة.