الوطن... كرامة
من على ضفاف نهر من أنهار الجنة، ومن قاهرة الحضارة والثقافة، ومن فوق كوبري قصر النيل، متوجهاً إلى الجهة الشرقية من مصر الحبيبة، لا من أجل البحث عن منظر طبيعي خلاب أو بناء تاريخي ثقافي أو مبانٍ من طراز حديث رفيع يطل على ضفاف نهر النيل العظيم، وهذا ما تعودت عليه في مصر الحبيبة، بل من أجل استقبال واستشعار موقع وطني واستنشاق هوائه وعبيره. كيف لا! ووطني جارٌ لمصر أم الدنيا من الجهة الشرقية.
وبما أن اليوم ليس يوماً عادياً، يحق لي كمواطن سعودي في هذه المناسبة ذات الأثر العميق في نفوسنا جميعًا، ذكرى "يوم التأسيس" أن أستذكر تاريخ أجدادنا، كيف عانوا وكافحوا من أجل البقاء ومن أجل تأسيس وطن نعيش فيه بكرامة وعدل ومساواة.
كيف لا! وعلاقة المواطن بوطنه هي علاقة كرامة وعلاقة وجودية، فلا مواطن بدون وطن ولا كرامة بدون وطن.
لقد قدّم أجدادنا رحمهم الله أرواحهم وكل ما يملكون مع ملوكنا آل سعود حفظهم الله منذ الدولة السعودية الأولى، امتداداً للدولة السعودية الثانية ثم الثالثة، وكافة إمكانياتهم من أجل أن نعيش وتعيش الأجيال القادمة بأمن وأمان واستقرار وكرامة.
رحلة خاضها وطننا بين صعود وهبوط. لم يبتعد أجدادنا عن أرضهم بالرغم من قلة الماء والأكل والجوع والطقس الصحراوي القارس، ما بين شديد البرودة شتاءً وشديد الحرارة صيفًا، متنقلين وسط الصحراء من مكان إلى آخر من أجل البحث عن مقومات الحياة التي تتناسب مع متطلباتهم ومع متطلبات عوائلهم، لكن على أرض وطننا.
الدولة السعودية الأولى: 1727 - 1818
التاريخ كتب بماء الذهب لمؤسس الدولة السعودية الأولى، حيث انطلق من وسط صحراء نجد شعاع الحق على يد المغفور له بإذن الله الإمام محمد بن سعود. لم ينطلق هذا الشعاع بالصدفة، بل بالتضحيات التي قدمها الرجال من أجل تأسيس الدولة السعودية الأولى، وقد حقق الله لنا ذلك، وبما أن مؤشر الحياة يتراوح بين مدٍّ وجزرٍ سقطت الدولة السعودية الأولى في عام 1818.
الدولة السعودية الثانية: 1819 - 1891
وما هو إلا عام واحد على سقوط الدولة السعودية الأولى حتى عادت الهمة التي لم يفقدها رجال الوطن، وعاد الأمل الذي لم ينتهِ في تأسيس الدولة مرة أخرى، وهنا ظهر القائد المغفور له الإمام تركي بن عبدالله، ومعه مجموعة من رجال الوطن الذين يبحثون عن الكرامة على أرضهم والحرية في امتلاك قرارهم. انطلقت الهمم، فقدّم هؤلاء الرجال الغالي والنفيس لتأسيس الدولة السعودية الثانية، حيث استطاع القائد الإمام تركي التغلب على كافة التحديات الوجودية، وبالفعل تم ذلك بتوفيق من الله عز وجل، لكن ما لبث الأمر حتى سقطت الدولة مرة أخرى.
الدولة السعودية الثالثة: 1902 حتى الآن
ظهر شعاع القائد الملهم المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عام 1902، وعلى ظهور الخيل والإبل وبسلاح خفيف، وبتطويع الصحراء لخدمة الرجال، استطاع تأسيس الدولة السعودية الثالثة، وقام بوضع أركان حكم تحمي الدولة من السقوط مرة أخرى.
وبالفعل تحقق تأسيس الدولة التي ولله الحمد ننعم نحن حالياً فيها بالأمن والأمان والاستقرار، لأنها دولة مؤسسات يحكمها العدل الذي هو أساس المُلك، فعلاقة الحاكم بالمحكوم هي علاقة "روح بجسد"، إذ لا جسد بلا روح، ولا روح بلا جسد.
ها قد وصلنا اليوم لعهد مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وقائد الرؤية وملهم الشباب ومستنهض الهمم سيدي ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظهما الله.
وما زالت قصة النجاح الوطنية مستمرة نحو مستقبل مشرق وحياة كريمة، والتحديث مستمرٌّ بما يتوافق مع القيم والمفاهيم الوطنية وعلى أسس راسخة ثابتة وعقيدة وسطية.
فرسالة حكامنا آل سعود حفظهم الله واضحة هي "رسالة تعايش وسلام بين الجميع".
فالدين لله والوطن للجميع.
دمت حراً يا موطني، فما نحن إلا قبضة من ترابك، جُبلت بكرامتك وصُقلت بانتمائنا إليك.


