حتى لا تشيخ القلوب
بقلم: حسن الكنزلي
ليس كل شاب يعيش ربيعَه كما ينبغي؛ ففي زوايا المدن، وداخل البيوت الهادئة، وبين وجوه تبدو عادية للعيان، قلوب شاخت قبل أوانها. أعمار في العشرينات أو الثلاثينات، لكن الأرواح تحمل تعبا أكبر من السنين.
وليس الشيب في الشعر هو ما يخيف؛ بل الشيب في المعنى. أن تفقد الدهشة، أن تتراجع الحماسة، أن تستيقظ كل صباح وكأنك تؤدي واجبا ثقيلا لا حياة تختارها. تلك هي الشيخوخة التي لا تقاس بالسنوات؛ بل بثقل التجارب غير المعالَجة.
كثير من شباب اليوم لم يعيشوا طفولة مطمئنة، ولا مراهقة هادئة؛ ضغوطٌ اقتصادية، توترات أسرية، فقدان أحبة، خيبات دراسية أو مهنية، علاقات انتهت على نحو مؤلم. كل تجربةٍ قاسية تترك أثرا. وإن لم يجد هذا الأثر من يحتويه، يتراكم في الداخل حتى يصبح نمطا في التفكير والشعور.
الصدمة لا تطرق الباب معلنة حضورها؛ بل تتسلل بهدوء. تُبدل نظرة الإنسان إلى نفسه، وتزرع في أعماقه شكا دائما: هل أستحق؟ هل أستطيع؟ هل سأفشل مرةً أخرى؟ ومع تكرار الأسئلة، يتسلل التعب. لا تعب الجسد؛ بل تعب الروح، فيشعر الشاب بأنه استُهلك مبكرا، وأنه عاش ما يكفي من الخيبات ليكف عن المحاولة.
أخطر ما تفعله الظروف القاسية أنها قد تتحول من تجربة عابرة إلى تعريفٍ دائم؛ بدل أن يقول الشاب: "مررتُ بفشل"، يقول: "أنا فاشل". بدل أن يقول: "تعرضتُ لخذلان"، يقول: "لا أحد يمكن الوثوق به".
هكذا يُختزل الإنسان في لحظة من ماضيه، ويُحاكم نفسه بحكم نهائي. ومع كل محاولة جديدة، يقف الماضي كظل طويل يذكّره بما حدث.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن التجربة مهما كانت قاسية ليست هوية. هي صفحة في كتاب العمر، لا الكتاب كله. والجرح، مهما طال أمده، لا يلغي قدرة الجسد على الالتئام.
قد لا يتحدث الشاب عن تعبه؛ لكنه يظهر في تفاصيل يومه؛ في انسحاب هادئ من المجالس،
في تأجيل مستمر للأحلام، في خوفٍ من الإقدام، في نظرة تشكّ في كل فرصة جديدة.
تبهت الطموحات، وتُستبدل الأحلام بعبارة قصيرة: "لا جدوى". وهنا يبدأ الخطر الحقيقي؛ حين يتحول الحذر إلى قيد، والتجربة إلى سجن.
والوقاية لا تعني إنكار الألم؛ بل التعامل معه بوعي. وأول خطوة أن نعترف: نعم، ما مررنا به كان صعبا. والاعتراف شجاعة، وليس ضعفا.
ثم نُعيد ترتيب المعنى. لماذا أعيش؟ ما الذي أريده حقا، بعيدا عن ضغوط الآخرين؟ ما القيمة التي أستطيع أن أضيفها، ولو كانت صغيرة؟
حين يستعيد الإنسان المعنى؛ يستعيد جزءا من شبابه الداخلي. فالمعنى هو الطاقة التي تُحوّل التعب إلى احتمال، والجرح إلى درس.
كذلك، لا بد من كسر العزلة؛ فالحديث مع صديق أمين، أو مرشد حكيم، أو مختص يفهم تعقيدات النفس؛ يخفف من ثقل التجربة. فالكلمات التي تبقى حبيسة الصدر تتحول إلى عبء، أما التي تُقال؛ فتبدأ في التحول إلى فهم.
ولا يقل أهميةً عن ذلك إعادة تنظيم الحياة اليومية؛ فالنوم المنتظم، تقليل الفوضى الرقمية، تحديد أهداف صغيرة قابلة للتحقيق، ممارسة نشاط بدني... كلها تفاصيل بسيطة؛ لكنها تبني توازنا جديدا؛ فالجسد والروح وجهان لحياة واحدة، وإذا استقام أحدهما؛ أعان الآخر.
ليس مطلوبا أن يستعيد الشاب حماسته دفعة واحدة؛ يكفي أن يخطو خطوة صغيرة، وأن يمنح نفسه فرصة جديدة. أن يسمح لنفسه أن يحلم، ولو بحذر. أن يحاول، ولو خاف؛ فالشباب الحقيقي ليس في القوة الجسدية وحدها؛ بل في القدرة على البدء من جديد. في الإيمان بأن ما مضى، مهما كان ثقيلا، لا يحتكر المستقبل.
القلوب لا تشيخ لأنها كبرت؛ بل لأنها استسلمت. تشيخ حين تظن أن ما حدث سيظل يحدث. تشيخ حين تقنع نفسها أن الضوء الذي انطفأ لن يعود؛ لكن الحقيقة أن داخل كل إنسان طاقة قابلة للتجدد. وأن الألم، مهما طال؛ لا يملك أن يسلب الإنسان حقه في بداية أخرى.
فحتى لا تشيخ القلوب؛ علينا أن نمنحها معنى، ورفقة صالحة، ونظاما في الحياة، ومساحةً للتعافي.
علينا أن نتذكر أن الظروف القاسية قد تُبطئ الخطى؛ لكنها لا تلغي الطريق.
ومن حق كل شابٍ؛ مهما أثقلته التجارب، أن يعيش ربيع قلبه، لا أن يشيخ قبل أوانه.
نسأل الله لشبابنا حياة في القلوبِ قبل الأجساد، ومعنًى يملأُ أيامَهم، ونورا يُبدِّدُ ظلمات اليأس في صدورهم!
ودمتم سالمين!


