حين يكون المعنى هو الحل

بقلم: حسن الكنزلي


في زمن تتكاثر فيه الحلول السريعة، وتُعرض السعادة كمنتج جاهز للاستهلاك، يعيش كثير من الناس – وخصوصا أصحاب الحس المرهف والمواهب الإبداعية – حالة من التيه الصامت. تتبدّل الظروف، وتتغير العلاقات، وتتنوّع التجارب؛ لكن الشعور الداخلي بالفراغ يبقى كما هو؛ بل ربما يزداد تعقيدا.

المشكلة في كثير من الأحيان ليست نقصا في الفرص، ولا غيابا لمن يحبّوننا، ولا ضعفا في القدرات. المشكلة أعمق من ذلك؛ إنها فقدان المعنى.

لقد أثبتت التجربة الإنسانية، قديما وحديثا، أن الإنسان لا يعيش بالرفاهية وحدها، ولا يكتفي بالتصفيق والإعجاب، ولا تهدأ روحه بمجرد تبديل الأشخاص أو البيئات. كم من إنسان توفرت له أسباب الراحة، ومع ذلك ظلّ قلقا مضطربا! لأن روحه لم تجد ما خُلقت له، ولم تتصل بالمصدر الذي يمنح الوجود معناه.

إن البحث المستمر عن حلول خارجية – علاقة جديدة، إنجاز أكبر، شهرة أوسع – قد يمنح دفعة مؤقتة من الحماس؛ لكنه لا يعالج الجذر العميق للأزمة. ذلك أن الإنسان حين يطلب المطلق من المحدود، ويبحث عن الأمان الكامل في بشر ضعفاء مثله، يصطدم حتما بخيبة جديدة.

الحل الحقيقي يبدأ من الداخل، بقرار واع: أن تكون للحياة رسالة، وأن يكون للوجود غاية تتجاوز اللحظة العابرة.

في المنظور الإيماني، يرتبط هذا القرار بأعظم علاقة يمكن أن يدخلها الإنسان: علاقته بالله. ليست المسألة شعارات تُقال، ولا عواطف طارئة؛ بل مسار عملي يقوم على المعرفة والقرب والصدق. أن يتجه القلب إلى خالقه افتقارا لا ادّعاء فيه، وأن يصبح القرآن كتاب حياة لا مجرد نص يُتلى.

حين يقرأ الإنسان القرآن ليتعرّف على أسماء الله وصفاته وأفعاله، ويتأمل سننه في الخلق، تتغيّر زاوية الرؤية. يتبدل فهمه للألم، وللابتلاء، وللتأخر، وللفقد. ويبدأ تدريجيا في التحرر من الارتهان للناس وأحكامهم وتوقعاتهم.

هذا الطريق لا يُثمر بين ليلة وضحاها. يحتاج صبرا، ومجاهدة نفس، واستمرارا لا يعرف الانقطاع؛ لكنه طريقٌ مضمون العاقبة؛ لأن من يسير فيه لا يتكئ على وعود البشر؛ بل على وعد الله.

وفي الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني... وإن تقرّب إليّ شبرًا تقرّبت إليه ذراعًا...». وفي حديثٍ آخر: «ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه...». إنها معادلة واضحة: خطوة صادقة من العبد، يقابلها فيض من العناية الإلهية.

كما أن من أعظم ما يبعث الطمأنينة في النفس قول الله في الحديث القدسي: «يا عبادي، كلكم ضالٌّ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم... يا عبادي، إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أُوفيكم إياها...»؛ فالإنسان ليس متروكا، ولا مهملا، ولا سدى.

وحين يستقر هذا المعنى في القلب؛ تتغير وظيفة الموهبة نفسها. لا تعود الكتابة بحثا عن إعجاب، ولا يصبح الإبداع محاولة لسدّ فراغ؛ بل يتحول إلى رسالة. يفيض النور الذي امتلأ به القلب على الكلمات، فتغدو سببا في هداية أو طمأنينة أو إحياء أمل في نفوس الآخرين.

عندها يكتشف الإنسان حقيقة مفصلية: أنه كان يظن نفسه محتاجا إلى الجميع، فإذا به يصبح مصدر عون لكثيرين. وأن ألمه القديم كان مادة لتشكيل شخصيته، لا حكما دائما عليه بالشقاء.

إن قرار البحث عن المعنى، والارتباط بالله، ليس انسحابا من الحياة؛ بل دخول إليها من بابها الصحيح. وهو ليس هروبا من الواقع؛ بل إعادة ترتيب الأولويات على أساس ثابت.

في عالم يمتلئ بالضجيج؛ قد يكون أعظم قرار يتخذه الإنسان أن يهدأ قليلا، ويعيد توجيه قلبه نحو السماء. فهناك، فقط، يجد المعنى الذي يُنقذ حياته من التبعثر، ويمنحها رسالة تستحق أن تُعاش.
وحين يكون المعنى حاضرًا؛ تتغير كل التفاصيل.
نسأل الله أن يملأ قلوبنا به، وأن ويجعل غايتنا رضاه، وهمَّنا طاعته، وراحتنا في ذكره.
ودمتم سالمين!