بين التوافق والانفراد.. هل انحرفت بوصلة الشراكة في مجلس القيادة الرئاسي؟

منذ أن كان المجلس الانتقالي الجنوبي خارج إطار السلطة الشرعية، وُجِّهت إليه انتقادات واسعة تتهمه بغياب الشرعية الدستورية وافتقار تمثيله للتوافق الوطني. غير أن المشهد تغيّر في أبريل 2022 مع تشكيل مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، كصيغة توافقية جامعة ضمّت مختلف القوى السياسية والعسكرية، بما فيها المجلس الانتقالي. يومها، ساد خطاب يؤكد أن المرحلة الجديدة تقوم على الشراكة الحقيقية، وأن القرارات ستُتخذ بروح التوافق أو وفق آليات واضحة نصّ عليها إعلان نقل السلطة.
لكن ما بين النصوص والواقع، تبدو الفجوة آخذة في الاتساع.
فخلال الفترة الماضية، تشير الأرقام المتداولة في الأوساط السياسية والإعلامية إلى صدور مئات القرارات عن رئيس المجلس، لا يتجاوز التوافقي منها نسبة محدودة مقارنة بالقرارات الأحادية. وبغضّ النظر عن الجدل الدائر حول دقة الأرقام، فإن الانطباع السائد لدى شريحة واسعة من المتابعين هو أن مبدأ التوافق – الذي كان حجر الأساس في تشكيل المجلس – لم يُطبَّق بالقدر المأمول.

الإشكالية هنا لا تتعلق بعدد القرارات فحسب، بل بطبيعة المقاربة السياسية. فإذا كان التوافق شرطاً لازماً عند مشاركة جميع الأطراف، فمن المنطقي أن يُحترم هذا المبدأ في كل القرارات السيادية والإدارية، لا أن يُستدعى عند الحاجة ويُتجاوز عند توفر مبررات ظرفية.

المفارقة التي يراها كثيرون تكمن في اختلاف ردود الفعل. فعندما يصدر قرار منفرد عن أحد مكونات المجلس، تُثار عاصفة من الانتقادات ويُتهم الطرف المعني بتجاوز الشراكة وتهديد الوحدة. أما حين تصدر قرارات أحادية من موقع الرئاسة، فإن التبريرات تكون جاهزة: ضرورات المرحلة، الصلاحيات السيادية، أو تفسير خاص لنصوص إعلان نقل السلطة.
هذا التباين في المعايير يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام شراكة متكافئة بالفعل، أم أمام صيغة توافقية شكلية تُدار عملياً بعقلية الغلبة؟

إن الشراكة السياسية لا تُقاس بالشعارات، بل بآليات اتخاذ القرار واحترام روح الاتفاق. والتوافق ليس تنازلاً من طرف لطرف، بل ضمانة للاستقرار ومنع الانقسام، خاصة في بلد أنهكته الصراعات كاليمن. كما أن الحفاظ على الوحدة الوطنية لا يتحقق بإقصاء الأصوات المختلفة، بل بإشراكها ضمن إطار مؤسسي واضح وعادل.

اليوم، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تقييم تجربة مجلس القيادة الرئاسي، وتصحيح أي اختلال في مسار اتخاذ القرار، بما يعيد الثقة بين مكوناته ويطمئن الشارع بأن الشراكة ليست مجرد عنوان سياسي، بل ممارسة يومية قائمة على الاحترام المتبادل والالتزام الصارم بنصوص وروح الاتفاق.
فالتوافق الحقيقي لا يتجزأ، ومن ينتصر له في موقف، عليه أن يلتزم به في كل المواقف.