هيبة أميركا والمستنقع الإيراني

الأكراد العميل القديم الجديد:

التحركات العسكرية للميليشيات الكردية على حدود العراق وإيران كانت متوقعة، وقد أشرت في مقالة سابقة أن أميركا ضاعفت من تواجدها مع المخابرات الإسرائيلية في مناطق الأكراد على حدود العراق/إيران، وتقوم بتجهيز هذه الميليشيات بالسلاح والتدريب، بل وقوات أميركية خاصة للمساعدة في التوغل في الأراضي الإيرانية بغطاء جوي صهيوأميركي. كما أشرت أن سوريا قد تدخل في خط المواجهات مع لبنان، وممكن العراق أيضاً، وبدأ يتضح ذلك الآن من خلال حشودها على حدود الدولتين.

استنزاف المنطقة ؛

من أهم أهداف أميركا وإسرائيل هو الزج بالمنطقة للحرب معها ضد إيران، فعندما تنسحب قواتها من الحرب بعد أسابيع أو على الأكثر أشهر، سيبقى الصراع والانتقام مستمرين بين إيران وجيرانها، حتى تخور قواهما وتتشتت الشعوب بموجات لجوء ونزوح من مناطق مختلفة، وتُخترق الحدود وتنهار الأنظمة. حينها سنجد الصهيوأميركيين عادوا لرسم حدودنا من جديد وصهر بعض الدول ببعضها، حتى يتسنى لهما رسم حدود إسرائيل الكبرى.

من وراء قصف محيط إيران الإقليمي؟

هناك معطيات كثيرة تدل على أن الصاروخ فوق تركيا قد يكون مصدره الأراضي الإيرانية، ولكن ليس بالأكيد أن من أطلقه هو الجيش الإيراني. كما أن الهجمات على مسقط وقطر والسعودية، التي ضربت خارج نطاق القواعد الأميركية (تعتبر ارض امريكية) في هذه البلدان الى ضرب البنية التحتية لهذه الدول الجارة، تدعو للتفكير! من له المصلحة الأكبر في هكذا عمل؟ ومؤخراً الطائرة التي أصابت مطار ناختشيفان الدولي في أذربيجان، والذي يبعد 10 كيلومترات فقط عن الحدود الإيرانية، كان مصدرها الأراضي الإيرانية، ولكن ليس بالأكيد أن الجيش الإيراني هو من أطلقها.

قوات دون تنسيق؛

الى جانب الاختراق الامني الكبير في جهاز الدولة الإيراني، هناك مؤشرات على وجود قصور في غرفة العمليات المشتركة بين القيادات السياسية والعسكرية بعد الضربات والاغتيالات على القيادات الإيرانية وظهر ذلك جلياً في تضارب التصريحات؛ ففي الوقت نفسه الذي وعد فيه وزير خارجية إيران بالتحقيق في هجوم مطار ناختشيفان الأذربيجاني، صرح الجيش الإيراني أنه لا صلة له بالحادث. وهذا يؤكد ما صرح به أحد المسؤولين الإيرانيين (أن الجيش الآن عبارة عن فرق متفرقة، كل يقود نفسه)، وهذا ما أشرت إليه في مقالتي الأخيرة: (إيران بين سوء التقدير… وفقدان القيادات).

تركيا والدول العربية تراقب بحذر؛

تقرأ تركيا و مصر وباقي دول الخليج المشهد بدقة، وتعلم أن هناك مخططاً لجرها إلى قلب المعركة، خصوصاً بعد أن تمكنت من القبض على شبكات للموساد في بعض هذه الدول. فتركيا و مصر تدرك أنها التالية بعد إيران، وبالتأكيد ستعمل امريكا على محاولة إضعافهما من خلال جرهما الى قلب المعركة. بينما دول الخليج تعرف أن أميركا لا تستطيع تحمل الاستمرار بالحرب والقصف الجوي بنفس الوتيرة، لتكلفتها الباهظة وتعرضها لخسائر مادية وبشرية، ولهذا تعمل جاهدة لجعل إقتصاد دول الخليج حطب لحربها.

خلط الاوراق في المنطقة:

أولاً؛ المقذوف الذي أسقطه الناتو فوق الأراضي التركية وتُتهم فيه إيران. بعد هذه الحادثة مباشرة تواصل الناتو مع تركيا ليؤكد استعداده للتدخل عسكرياً إلى جانبها إذا فعلت الدفاع المشترك، وهذا ليس حباً بل لدفع تركيا إلى مستنقع الحرب الإيرانية.

ثانياً؛ تحريك أكراد إيران ودعمهم لتحرير مناطق كردية على الأراضي الإيرانية، وهذا خطر استراتيجي على تركيا كما هو على إيران. ففي حالة انتصر الأكراد ستعود تركيا لحالة الاستنزاف والاشتباك معهم، وتعود قسد إلى الأراضي السورية، ومن ثم التركية، فكما طلعوا بأوامر صهيوأميركية سيعودون بنفس الأوامر.الى جانب ان هناك قوميات متعددة في ايران ستطالب بالإنفصال مما سيشكل فوضة كارثية لدول الجوار.

ثالثاً؛ قصف مطار ناختشيفان الأذربيجاني، والذي يبعد 10 كيلومترات من الحدود الإيرانية، وهي منطقة تشابك تركيا–إيران–أذربيجان، إلى جانب أن أذربيجان حليف لتركيا وهذا قد يشعل فتيل التصادم بين هذه القوى.

رابعاً؛ تقدمت القيادة الإيرانية بالاعتذار عن أي خطأ في العمليات العسكرية على دول الجوار. كما أرسل السفير الإيراني في الرياض رسالة امتنان للسعودية على موقفها من العدوان، ونفى بشدة علاقة إيران بالهجوم على السفارة الأميركية في الرياض، قائلاً:

"لو كانت طهران هي من هاجمت، لتحملت المسؤولية علناً".

خامساً؛ أجاب الأمير تركي الفيصل على سؤال أمانبور في لقاء أجرته معه على قناة CNN حول ما إذا كانت الحرب ستقرب السعودية من إسرائيل، فجاء الرد حاسماً وصادماً:

"انسوا موضوع التطبيع تماماً". وهذا بالتأكيد يضع المملكة عدوا وعائق امام المصالح الصهيونية في المنطقة.

الخلاصة؛

اليوم أوطاننا تقف على مفترق طرق تاريخي. فهل يدرك قادتنا أنهم أمام اختبار مفصلي؟ وهل يعلمون أن المفارقة ليست فيمن سيرد بإطلاق صاروخ أو مسيرة… بل فيمن سيتجنب الوقوع في هذا الفخ؟ وتفويت الفرصة على المتربصين.

(وَمَا يَمْكَرُونَ إِلَّا بِأَنْفَسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} صدق العزيز الجبار.