للقابعين على حافة التاريخ.. هل بدأ زمن المراجعات؟
لم يعد السؤال : لماذا تعثر العرب ؟ ! بقدر ما هو : كيف يخرج العرب من حالة الانسداد التاريخي ؟ !
إن تجاوز أعناق الزجاجات وعبور مضائق الانسدادات في حياة الأمم والشعوب ليس بالأمر المستحيل فهو أشبه بـ داء عضال في وجود دواء ناجع لا يحتاج صاحبه معه إلا إلى الإرادة والشجاعة في تعاطي ذلك العلاج .
وبما أن المأزق عربيٌّ في عمقه وأبعاده فإن الخروج منه وتجاوزه ممكن بأفكارٍ وأفعالٍ عربيةٍ أيضا وذلك وفق استراتيجية شاملة تجمع بين الأصالة والمعاصرة وتُوفق بين الماضي والحاضر لتلبية احتياجات المستقبل على أن تتضمن أبعادا ثمانية كالتالي :
البعد الأول : شجاعة التفكير قبل شجاعة المواجهة كون المدخل الحقيقي لأي تحوّل يبدأ بـ :
-التفكير خارج الصندوق لا عبر تدوير الأفكار المستهلكة
-الجرأة في إعادة النظر في المُسلَّمات
-المعالجة الصريحة لقضايا الفكر والسياسة ومفاهيم الثقافة
-التحرر من ثنائية : "أبيض وأسود" ومن الأطروحات "الصفرية" التي حكمت الوعي العربي طويلًا ونبذ تصنيفات الفرقة والتمزيق والتهشيم
كون هذه التصنيفات لم تنتج دولةً قوية ولا مجتمعًا متماسكًا بل كرّست الاستقطاب وأنتجت هشاشة بنيوية مستدامة
-التحرر من الشعارات والخرافات
-الانتقال إلى تشخيصات أقرب للدقة
-التقديرات السليمة للمواقف
-الموازنة بين المكاسب والأثمان
-تجنب الانفعالات اللحظية .
البعد الثاني : الواقعية السياسية بدل الارتهان للصراعات :-
فالعرب اليوم أمام حربٍ كبرى بين قوى عالمية متنافسة
والانجرار إلى “المعركة بين الشرَّين” لن يصنع انتصارًا عربيًا فالأجدى من ذلك هو :
-الوقوف على مسافات واحدة من الاستقطابات الدولية
-إعمال الدبلوماسية بوصفها أداة نفوذ لا أداة مجاملة
-توظيف الاقتصاد كرافعة سياسية
-اختراق أوروبا بالمصالح لا عبر الخطابات .
-إستخدام السياسة كإدارة مصالح وليست مجرد مراسيم وبورتوكولات
-مزج الواقعية بالحكمة
-التفريق بين الخيانة وشروط البقاء .
البعد الثالث : إعادة ترتيب الأولويات :-
لا يمكن لأي مشروع نهوض أن ينجح دون :
-إعادة النظر في تراتبية الأولويات
-دراسة حديثة لمسألتي الولاءات والانتماءات
-التخطيط للمستقبل على ضوء معارف الحاضر لا أمجاد الماضي
-إعفاء الماضي من تحكمه المطلق في الحاضر
-الماضي ينبغي أن يُعامل كمادةٍ سائلة تساعد على تماسك البناء، لا ككتلة صلبة تسحق الحاضر
-تحديد مقدار الماضي المطلوب استيعابه كضرورة علاجية لا ترفًا فكريًا .
البعد الرابع : مراجعة المصطلحات المؤسسة للوعي :-
جزء كبير من الأزمة يكمن في اللغة ذاتها عبر مصطلحات رسخت في العقل الباطن وتكلست في العقل الظاهر تحتاج إلى مراجعة علمية هادئة مثل :
(الأمة ، الوحدة ، الوطن ، المصالح ، الحكم ، الدولة ، الحكومة ، الحقوق ، القضية المركزية ، الأعداء ، التدين ، الحرية ، المواطنة ، الحقوق التمييز ، ..الخ ..)
وليس الهدف نسف هذه المفاهيم بل إعادة تعريفها وفق مقتضيات العصر بعيدًا عن التقديس السياسي أو الشيطنة الإيديولوجية .
البعد الخامس : إعمال الحكمة بوصفها مشروعًا عملانيًا :-
فالحكمة ليست موعظة بل منهج إدارة وقد عرّفتها الأدبيات الشرعية بأنها :
الإصابة – قدر الإمكان – في القول والعمل
وترجمتها السياسية المعاصرة في :
"وضع الشيء المناسب في الوقت المناسب على الوجه المناسب وبالقدر المناسب"
فهذا هو جوهر الرشد السياسي وهذا ما افتقدته المنطقة العربية في لحظات كثيرة .
البعد السادس : إنقاذ الخرائط أهم من تدبيج الخطابات :-
فأي مشروع عربي لا يضع نصب عينيه :
-إنقاء اليمن
-استعادة عافية سوريا
-إحياء موات لبنان
-نفخ الروح في السودان
-حماية الدول العربية من التفتيت
فإنه مجرد مشروع يهرب من الواقع إلى الخيال كمُفْلس نَثْرٍ قفز إلى الشعر
-الدولة السليمة هي شرط النهضة لا نتيجتها .
البعد السابع : سنّ قوانين ضد صناعة الأوبئة الفكرية :-
كما أنه توجد معامل لزرع الفيروسات البيولوجية فإن هناك معامل لصناعة الفيروسات الفكرية ك :
-خطاب الكراهية
-التخوين الممنهج
-التحريض الطائفي
-تصدير الأوهام التاريخية
ولذلك فإن الحاجة ملحة إلى منظومة قانونية وأخلاقية تضع حدًا لصناعة الأوبئة الفكرية وتحمي المجال العام من العبث .
البعد الثامن : من القمقم إلى التراكم :-
الخروج من القمقم لا يتم بخطوةٍ واحدة بل عبر :
-تراكم معرفي حقيقي
-احتكاك بالعالم لا خوف منه
-مراجعات في كل الاتجاهات ومن جميع العرب
-فهمٍ أعمق لقوانين التدافع وصراع المصالح
-انتقال من رد الفعل إلى صناعة الفعل .
أخيرا :
من المعلوم أن العرب لا ينقصهم التاريخ بل ينقصهم الرشد في التعامل معه ! ولا تنقصهم
الشعارات بل تنقصهم القدرة على تحويل الحكمة إلى سياسات ! !
يبقى السؤال :
أكووو عرب ؟!


