في يوم المرأة العالمي.. حين تتحول الكرامة إلى معركة يومية
(أبين الآن)خاص
كتب / مروة السليماني
قد يبدو اليوم العالمي للمرأة مناسبة للاحتفال والتهنئة، لكن بالنسبة لكثير من النساء هو أيضًا لحظة تأمل في طريق طويل من التحديات. فبين الشعارات التي تتحدث عن تمكين المرأة، والواقع الذي تعيشه بعض النساء في بيئات العمل، تقف قصص صامتة لنساء يكافحن كل يوم من أجل حق بسيط: أن يعملن بكرامة وأن يُعاملن بإنصاف.
وليست كل معارك النساء تُخاض في الشوارع أو المحاكم، فبعضها يدور في صمت داخل مكاتب العمل. معارك غير مرئية تخوضها نساء كثيرات يوميًا لإثبات كفاءتهن، أو للدفاع عن كرامتهن، أو لمجرد الحفاظ على حقهن في العمل دون تضييق أو مضايقة.
وفي اليوم العالمي للمرأة، يصبح من الضروري أن نعيد النظر في هذه القصص التي لا تُروى كثيرًا، وأن نصغي بصدق لتجارب النساء اللواتي يواجهن هذه التحديات بصبر وقوة.
لقد أثبتت المرأة في مختلف ميادين الحياة قدرتها على العمل والعطاء والقيادة، ونجحت في كسر كثير من الحواجز التي فُرضت عليها عبر عقود طويلة. ومع ذلك، لا تزال بعض البيئات المهنية أسيرة ثقافة مجتمعية يغلب عليها الطابع الذكوري، حيث تُقاس كفاءة المرأة أحيانًا بمعايير مختلفة، ويُطلب منها أن تثبت جدارتها مرات مضاعفة، فقط لأنها امرأة.
وفي بعض الحالات المؤسفة، لا تقف التحديات عند حدود التمييز أو التقليل من الجهد المهني، بل تتجاوز ذلك إلى ممارسات أكثر قسوة. فهناك نساء يجدن أنفسهن في مواجهة ضغوط غير مبررة، أو تلميحات جارحة، أو مضايقات مبطّنة داخل بيئات العمل، خاصة عندما يرفضن التنازل عن كرامتهن أو المساومة على مبادئهن.
وتصبح هذه المعاناة أشد قسوة حين تكون المرأة مطلقة، إذ قد تتحول نظرة بعض العقول الضيقة إلى نوع من الوصاية أو الشك المسبق، وكأن وضعها الاجتماعي يبرر التدخل في حياتها أو استباحة خصوصيتها. بل يكشف الواقع، في بعض الحالات، عن ممارسات مؤلمة تصل إلى التضييق عليها في العمل أو دفعها نحو الإقصاء وفقدان مصدر رزقها، لا لسبب إلا لأنها اختارت أن تعيش بكرامة وتحافظ على احترام نفسها.
إن هذه الممارسات، إن وجدت، لا تمثل فقط ظلمًا فرديًا لامرأة بعينها، بل تعكس خللًا عميقًا في فهم معنى العمل والإنصاف، وتتناقض مع أبسط المبادئ التي يفترض أن تقوم عليها بيئات العمل المهنية، حيث يجب أن تكون الكفاءة والنزاهة هما المعيار الوحيد للتقييم.
ورغم ذلك، تواصل الكثير من النساء طريقهن بصبر وقوة. فالمرأة التي تعمل وتكافح وتتحمل مسؤولياتها في مواجهة نظرات قاسية أو ظروف صعبة، تقدم نموذجًا حيًا للشجاعة الإنسانية. إنها لا تبحث عن امتيازات خاصة، بل عن فرصة عادلة للعمل بكرامة، وعن بيئة تحترم إنسانيتها قبل أي شيء آخر.
إن الحديث عن حقوق المرأة ليس دعوة للصراع مع الرجل، كما يحاول البعض تصويره، بل هو دعوة لإرساء مبدأ العدالة داخل المجتمع. فالمجتمع الذي يحترم المرأة ويحمي كرامتها هو مجتمع يحمي نفسه، ويمنح أبناءه وبناته فرصًا متساوية لبناء المستقبل.
وفي خضم كل هذه التحديات، تبقى المرأة التي تخرج كل صباح إلى عملها، حاملة هموم أسرتها ومسؤوليات حياتها، مثالًا حيًا للقوة والصبر. قد لا يسمع أحد قصتها كاملة، وقد تمرّ معاناتها بصمت، لكن كرامتها تظل خطًا أحمر لا تقبل المساومة عليه.
فالمرأة التي اختارت أن تعيش بشرف، وأن تعمل بجد، وأن ترفع رأسها رغم كل الضغوط، لا تستحق أن تُحارَب أو أن يُضيَّق عليها في رزقها. بل تستحق بيئة عمل عادلة تحترم إنسانيتها، وتقدّر تعبها، وتنظر إليها كإنسانة كاملة الحقوق، لا كضحية لنظرات قاصرة أو أحكام مسبقة.
وفي اليوم العالمي للمرأة، يبقى السؤال الأهم:
هل نحن حقًا نمنح المرأة الحق في العمل بكرامة، أم ما زالت بعض الممارسات والنظرات الضيقة تحاصرها رغم كل إنجازاتها؟


