لطف لا يُرى؛ لكن يُحس!
بقلم: حسن الكنزلي
في زحام الحياة، حين تضيق الصدور، وتتسارع الهموم، يبقى هناك سرّ رباني عجيب، قادر على تهدئة القلوب وإطفاء القلق: أن تعرف ربك باسمه اللطيف! ذاك الذي يسوق إليك الخير من طرق لا تراها، ويصرف عنك الشر بلطف لا تشعر به.
إنه لطف لا يُقاس بظاهر الأحداث؛ بل يُدرك ببصيرة القلب.
ليس اللطف دائما فيما نراه؛ فكثيرا ما يتجلّى فيما خفي عنا؛ فكم من أمر أحزننا، وكان في باطنه رحمة! وكم من باب أُغلق، فكان إغلاقه نجاة! إنها أقدار تسير بخيوطٍ دقيقة، ينسجها التدبير الإلهي بحكمة ورحمة، حتى وإن بدت في ظاهرها قاسية.
ذلك "اللطف الخفي" هو تدبير الله الذي يجري في حياتك وأنت لا تدري؛ يحفظك من حيث لا تحتسب، ويرتب لك الخير من حيث لا تشعر. قد يُؤخَّر عنك ما تحب، لا حرمانا؛ بل إعدادا. وقد تُمنع شيئا تتمناه، لا قسوة؛ بل حماية. وقد تُكسَر لتُجبَر، وتُؤخر لتُعطى، وتُضيَّق عليك السبل لتُفتح لك أبواب لم تخطر لك على بال.
في لحظات الألم، يظن الإنسان أن الأمور خرجت عن مسارها؛ لكن الحقيقة أن كل شيء يسير بدقة نحو غاية رحيمة. فليس كل تأخير إهمالا، ولا كل ابتلاء عقوبة؛ بل قد يكون البلاء بابا للطفٍ أعظم، ورحمة أعمق، ورفعة لا تُنال بغيره. وهنا يتحول الألم إلى معنى، والمحنة إلى منحة، حين يُبصر القلب بنور الإيمان لا بظلمة اللحظة.
وليس كل ما يُعطى خيرا، ولا كل ما يُمنع شرا. كم من إنسان أُعطي ما أراد، فكان فيه شقاؤه! وكم من آخر حُرم ما أحب، فكانت نجاته فيه! لأن الله يرى ما لا نرى، ويعلم ما لا نعلم، ويختار لنا ما يصلحنا، لا ما تهواه نفوسنا.
ومن أعمق صور اللطف الإلهي، ذلك الذي يجري في تفاصيل حياتنا اليومية؛ في نعم نغفل عنها، وفي أقدار لم تقع؛ لأن الله صرفها عنا. كم من خطر كاد أن يصيبك فنجوت، وكم من شر كان في طريقك فحُجب عنك! بل كم من تأخير ضاق له صدرك، ثم تبيّن أنه كان عين النجاة!
إنها عناية الله التي تحيط بك من كل جانب، وسياج لطفه الذي يحرسك، حتى في غفلتك. ولو كُشف لك الغيب؛ لرأيت من تدبير الله لك ما يملأ قلبك دهشة وطمأنينة.
غير أن إدراك هذا اللطف يحتاج إلى قلب حيّ؛ قلب يُحسن الظن بالله، ويرى خلف كل قدرٍ يدا رحيمة. فحسن الظن ليس كلمات تُقال؛ بل يقين يثبت عند الشدائد، ويزهر في لحظات الألم. ثم يأتي التوكل، حيث تبذل الأسباب؛ لكن قلبك لا يتعلق إلا بالله. ويأتي الرضا، لا كاستسلام للعجز؛ بل كسكون الواثق بأن ما اختاره الله هو الخير، وإن لم يفهمه الآن.
وحين يمتلئ القلب بهذا المعنى؛ تتغير الحياة كلها؛ تهبّ!العواصف؛ لكنك ثابت، وتشتد الأزمات؛ لكنك مطمئن. لا لأن الحياة سهلة؛ بل لأنك تعلم أن لك ربا لطيفا، لا يُقدر شيئا عبثا، ولا يتركك سدى.
ومع ذلك؛ فإن كثيرا من القلوب لا ترى هذا اللطف، لا لأنه غائب؛ بل لأن العجلة تعمي البصيرة. يريد الإنسان أن يحكم على القدر في لحظته الأولى، فيغفل عن حكمته الممتدة عبر الزمن. كما أن الغفلة عن النعم الخفية، وسوء الظن بالله، من أعظم ما يحجب الإنسان عن إدراك هذا اللطف العجيب.
ولهذا؛ فإن تربية القلب على رؤية لطف الله ضرورة لا ترف. تبدأ بالتأمل في الماضي؛ حيث تتكشف لك خيوط الرحمة في أحداثٍ ظننتها يوما قاسية. وتستمر بمعرفة الله وأسمائه، فالذي يعرف أن ربه "لطيف" و"حكيم"، يقرأ أقداره بعين مختلفة. ويقوى هذا المعنى بالذكر والدعاء؛ حيث يظل القلب متصلا بمصدر الطمأنينة.
وفي نهاية المطاف؛ يصل الإنسان إلى حقيقةٍ عميقة:
أن ما أخفاه الله عنه، قد يكون رحمة.
وأن ما تأخر، إنما تأخر بحكمة.
وأن ما صُرف عنه، كان نجاة.
ليست القضية أن تسير الحياة كما تريد؛ بل أن تثق أنها تسير كما ينبغي لك؛ فخلف كل ألم لطف خفي، وخلف كل تأخير تدبير، وخلف كل قدر رحمة.
وخلاصة القول: ليس كل ما يؤلمك شرا، ولا كل ما تتمناه خيرا؛ لكن لطف الله يقودك – في كل حال – إلى حيث نجاتك؛ فسلِّم قلبك له؛ تجد في أقدارك من الرحمة ما لم تكن تتخيله.
نسأل الله ان يدبر لنا؛ فإننا لا نحسن التدبير، وأن يقدر لنا؛ فإنا لا نحسن التقدير!
ودمتم سالمين!


