الاصطفاء والاجتباء

بقلم: حسن الكنزلي


في هذا الكون الذي يدبره الله بحكمة ولطف خفي، قد تتغير حياة إنسان بكلمة عابرة أو نصيحة صادقة أو لحظة تفكر صافية بين العبد وربه. فكثير من القلوب اهتدت بسبب كلمة، وكثير من الكرب انفرجت بعبارة عزاء أو يد عون. فالكلمة قد تبدو صغيرة في نظر صاحبها، لكنها عند الله عظيمة الأثر؛ ترفع إنسانا درجات أو تكون بداية طريق جديد في حياته.

وقد يجعل الله بعض عباده مفاتيح للخير دون أن يشعروا. ربما تكون سببا في توبة إنسان، أو إصلاح خصومة، أو تثبيت قلب كاد ينهار. فالدلالة على الخير عمل عظيم قد ينال صاحبه أجره وأجر من عمل به، وهذا من رحمة الله بعباده ومن أسرار فضله.

وفي القرآن الكريم يرد معنى الاصطفاء والاجتباء، وهما اختيار إلهي لعباد يهيئهم الله لمهمات الخير. فالاصطفاء اختيار يقوم على علم الله بقلوب عباده وما يصلح لهم، أما الاجتباء فيأتي غالبا بعد ابتلاء وصبر. وكثيرا ما يكون طريق الاصطفاء طريقا طويلا من المحن قبل أن يبلغ الإنسان مقام الرفعة. فكم من إنسان ظن أن المصيبة نهاية طريقه، فكانت في الحقيقة بداية رسالته في الحياة.

وليس ميزان الاصطفاء عند الله مالا ولا جاها ولا منصبا، بل صدق القلب وتقواه. فقد يكون الإنسان بسيطا في نظر الناس لكنه عظيم في ميزان السماء. ورب رجل لا يعرفه أحد في الأرض لكن مكانته عند الله كبيرة بسبب صفاء قلبه وصدق عمله.

وهناك صفات إذا اجتمعت في الإنسان هيأه الله لمهمات الخير، في مقدمتها الإخلاص لله، وصدق النية في نفع الناس، وصفاء القلب من الحسد والضغينة، وحب الخير للخلق، والاستعداد للبذل والتضحية، ثم الثبات على العمل الصالح ولو كان قليلا. فهذه المعاني هي التي تصنع الرجال والنساء الذين يترك الله على أيديهم أثر الإصلاح.

ومجالات الخير واسعة لا تنحصر في طريق واحد. فمن الناس من يكون مفتاحا للدعوة إلى الله، ومنهم من يوفقه الله للإصلاح بين الناس، ومنهم من يخدم المجتمع بعلمه أو عمله أو عطائه. وقد تكون كلمة صادقة أو ابتسامة صافية بداية تغيير في حياة إنسان.

لكن طريق الخير ليس مفروشا بالراحة؛ بل يمر بمحطات من الابتلاء والصبر. فالمحن تصقل النفوس وتعلم الإنسان الصبر وتمنحه عمقا في فهم الحياة. وكثير من الشخصيات التي كان لها أثر في إصلاح الناس ولدت من رحم المعاناة.

وفي المقابل هناك مخاطر قد تضيع نعمة الاصطفاء إذا لم يحذرها الإنسان، مثل الرياء وطلب السمعة، أو الغرور بالعمل الصالح، أو اليأس عند أول عقبة، أو الانشغال بالدنيا عن رسالة الإصلاح. فالقلب إذا تعلق بمدح الناس ضاع أثر العمل، وإذا توقف عند أول فشل انطفأت جذوة الخير.

والحقيقة أن نهضة المجتمعات لا تبدأ دائمًا بالقرارات الكبر؛ بل تبدأ غالبا بقلوب صادقة تؤمن برسالة وتعمل بإخلاص. فالتغيير الحقيقي يبدأ من الإنسان قبل أن يبدأ من الأنظمة، وكل نهضة في التاريخ كانت في بدايتها فكرة صادقة يحملها فرد واحد.

ولهذا فباب الخير مفتوح أمام كل إنسان. قد تكون معلما يصنع جيلا أو أبا يبني أسرة صالحة، أو تاجرا يحيي قيم الأمانة في السوق، أو شابا يوقظ ضمير أصدقائه. فكل بذرة خير قد تتحول مع الزمن إلى شجرة عظيمة.

فاجعل حياتك رسالة، وكلماتك نورا، وأعمالك جسورا للرحمة بين الناس؛ فقد يكتب الله على يديك خيرا لا تعلم مداه، وقد يجعلك مفتاحا لإصلاح قلب أو بداية طريق لنهضة مجتمع.