واقع التعليم في أبين... التحديات والحلول،،
في أبين لا يبدأ الصباح برنين الجرس المدرسي، بل بأنين الجوع، ولا تُفتح دفاتر التلاميذ على أسئلة الدرس، بل على أسئلة البقاء.
هناك، حيث تتكئ المدارس على جدران متعبة، ويجلس الأطفال على مقاعد مكسورة، حتى صار التعليم حلمًا هشًّا يُهدّده الانطفاء في كل لحظة.
في أبين لم تعد المدرسة ملاذًا آمنًا، بل محطة انتظار طويلة...
ينتظر فيها التلميذ معجزة تُعيد للكتاب هيبته، وللقلم معناه، وللحرف رسالته.
معلمون أنهكهم الفقر، وطلاب أثقلتهم الحاجة، وأسر تمزّقها المعادلة القاسية: (إمّا التعلّم أو لقمة العيش)!!!
هنا يقف المعلم أمام السبورة بجسدٍ مُتعَب، وروحٍ مثقلة، وراتبٍ لا يكفي لإطفاء جوع أطفاله.
يشرح الدرس وهو يفكّر: كيف أُقنع الطالب بأهمية المستقبل، وأنا أعجز عن تأمين الحاضر؟ كيف أزرع الأمل في عيون ترى الحرمان قبل أن ترى الحروف؟
أما الطفل الأبيني...
فيخرج إلى مدرسته وقلبه معلّق بين (حقيبةٍ فارغة ومعدةٍ خاوية).
والكثير من أولئك الأطفال يتركون الدراسة ليحملوا حجر البناء، أو يبيعوا المناديل عند إشارات المرور، أو يجوبوا الأسواق بحثًا عن ريالات قليلة تعيد للحياة بعض اتزانها.
وهكذا تُسرق الطفولة من بين أيديهم، وتُنتزع أحلامهم قبل أن تتشكّل.
المدارس في أبين تشبه الوطن في تعبه:
جدران متشققة، نوافذ مكسورة، مقاعد مهترئة، ومناهج تئن تحت وطأة الانقطاع والتأجيل.
عامٌ دراسي يُفتح على أملٍ باهت، ويُغلق على خيبة أكبر...
فلا انتظام، ولا استقرار، ولا يقين بأن الغد سيكون أفضل.
في أبين لا توجد مدرسة نموذجية، ولا مبادرة تربوية ناجحة، ولا سكنات طلابية للطلاب الراغبين في الالتحاق بالدراسات العليا.
في كل محافظات الجمهورية تخصّص السلطات المحلية نسبة محترمة للتعليم ....
فيقدّمون دعمًا ماديًا للمعلمين، ويتكفّلون بطباعة الكتب، ويبادرون بترميم المدارس وإنشاء مدارس جديدة...
إلا محافظة أبين؟؟؟!!!!!
إن مأساة التعليم في أبين ليست أزمة موارد فقط، بل أزمة ضمير، أزمة أولويات غائبة، وقرارات مؤجّلة، ووعود لا تجد طريقها إلى الواقع.
فكم من طفل أبيني كان يمكن أن يكون طبيبًا حاذقًا، أو مهندسًا متميزًا، أو معلّمًا رائعًا...
لو وجد مدرسة حقيقية، وكتابًا نظيفًا، ومعلّمًا مطمئنًا، وبيئة حاضنة لطموحاته.
ولكن ورغم هذا الليل الثقيل، لا تزال في أبين شموع صغيرة تقاوم العتمة:
معلم يواصل الشرح رغم الجوع، وطالب يصرّ على الحضور رغم الحاجة، وأمّ تدفع ابنها إلى المدرسة وهي لا تملك له سوى الدعاء....
هؤلاء هم بقايا الأمل، وحراس الضوء الأخير.
فإلى كل المهتمين بالتعليم في أبين:
التعليم اليوم لا يحتاج إلى خطب، بل إلى إنقاذ، لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى إرادة، لا يحتاج إلى وعود، بل إلى أفعال تُعيد للمدرسة كرامتها، وللمعلم مكانته، وللطالب حقه في الحلم.
فمن يعيد للتعليم في أبين ألقه، وتوهجه، وبريقه، ولمعانه؟؟؟
ولأن الحديث عن الألم لا يكتمل دون اقتراح طريق للخلاص...
فإن إنقاذ التعليم في أبين يمكن أن يبدأ بخطوات واقعية وعاجلة من أهمها:
أولًا: تخصيص صندوق دعم تعليمي محلي يضمن صرف حوافز شهرية للمعلمين، ولو بالحد الأدنى الذي يحفظ كرامتهم.
ثانيًا: إطلاق حملة مجتمعية لترميم المدارس بالشراكة بين السلطة المحلية ورجال الأعمال والمنظمات.
ثالثًا: توفير الوجبة المدرسية للطلاب في المناطق الأكثر فقرًا، للحد من التسرّب الدراسي.
رابعًا: إعادة طباعة الكتب وتوزيعها مجانًا لضمان الحد الأدنى من العملية التعليمية.
خامسًا: تبنّي مبادرات تعليمية تطوعية بإشراف رسمي لسدّ فجوة الانقطاع.
أملنا بعد الله في الأخ المحافظ أن يعيد للتعليم اعتباره، وللمعلم كرامته، وللطالب حلمه، وللمدارس قيمتها.
فالتعليم ليس ترفًا... بل هو حياة.
وفي أبين لا يحتاج إلى معجزة، بل يحتاج قرارًا صادقًا يبدأ بخطوة... ثم تتبعه خطوات.
فمن يُنقذ التعليم... يُنقذ وطنًا بأكمله.


