من صناعة الجغرافيا إلى إدارة الفوضى - إيران وهندسة الأدوار...

ليست الجغرافيا بريئة في التاريخ، ولا الخرائط مجرد خطوطٍ صامتة على الورق؛ بل هي في كثير من الأحيان تعبير مكثف عن إرادة القوة، ونتيجة مباشرة لمشاريع الهيمنة التي تُصاغ في العواصم الكبرى ثم تُفرض على الأطراف.

وفي هذا السياق تبدو إيران نموذجًا واضحًا لدولة لم تتشكل حدودها فقط بفعل التاريخ، بل أُعيد إنتاجها سياسيًا لتؤدي وظيفة محددة ضمن منظومة التوازنات الدولية.
فحين أعاد الاستعمار البريطاني رسم خرائط الشرقين الأدنى والأقصى لم يكن ذلك مجرد تفكيكٍ لإمبراطوريات قائمة، بل كان تأسيسًا واعيًا لواقع جديد يقوم على التفتيت من جهة، وإعادة التركيب الوظيفي من جهة أخرى.
وبينما تضررت كيانات كبرى كالدولة العثمانية، وتعرضت مناطق واسعة للتجزئة برزت إيران بوصفها كيانًا جرى توسيعه وتثبيته بعناية ليكون عنصرًا فاعلًا في معادلات النفوذ.

إن قراءة الخريطة التي أُنتجت في تلك المرحلة تكشف أن إيران لم تُمنح فقط مساحة جغرافية واسعة فحسب ! بل أُحيطت ببيئة إقليمية مفككة ومشحونة بالتوترات.
فمن الشرق جرى تفتيت القارة الهندية إلى كيانات متعددة مع الإبقاء على بؤر نزاع قابلة للاشتعال.
ومن الشمال والغرب تم تقويض المجال العثماني بما أتاح لإيران هامش حركة أوسع.
أما في المجال العربي فقد كان الثمن الأكبر حيث ترافقت إعادة التشكيل مع تفكيك البنية السياسية والاجتماعية ومع زرع أزمات مزمنة في الجغرافيا العربية.

وفي هذا الإطار لم يكن توسيع إيران مجرد نتيجة عرضية، بل خيارًا استراتيجيًا. فقد أُلحقت بها أقاليم متعددة من الشرق والشمال كما ضُمّت إليها مناطق ذات امتداد عربي واضح في الغرب فضلًا عن تثبيت نفوذها في نقاط حساسة من الخليج بما يعزز موقعها كفاعل إقليمي مركزي.
غير أن الأهم من التأسيس الجغرافي هو "التوظيف السياسي" فبعد اكتمال صورة الدولة " الفارسية" بدأ تشغيل الدور منذ المرحلة الأولى، وجاء هذا الدور في سياق مواجهة أي مشروع عربي جامع حيث جرى توزيع الوظائف بين قوى إقليمية مختلفة بما يضمن إجهاض أي محاولة للنهوض السياسي العربي.
ثم تطور هذا الدور في مرحلة لاحقة ليتخذ طابعًا أكثر تعقيدًا وعمقًا.

فقد عملت إيران على بناء شبكات نفوذ داخل عدد من الدول العربية، مستفيدة من الهشاشة البنيوية التي خلفها التفكيك الاستعماري.
ومع التحولات الدولية برزت فرص جديدة لتعزيز هذا النفوذ خاصة في ظل التدخلات الخارجية التي أعادت تشكيل موازين القوى في المنطقة.

لقد تمكنت إيران وعبر مزيج من الأدوات السياسية والأمنية والأيديولوجية من تقديم نفسها كشريك في ملفات كبرى مستثمرة في خطاب "مكافحة الإرهاب" وفي إدارة الأزمات الإقليمية.

في المقابل توسع حضورها في أكثر من ساحة عربية في مشهد يعكس إنتقالها من دولة إقليمية إلى لاعبٍ عابرٍ للحدود.
لكن هذا المسار لم يقف عند حدود المنطقة. فمع تصاعد التنافس الدولي خاصة بين الغرب والصين تبرز إيران مرة أخرى كعنصر قابل لإعادة التموضع ضمن صراعات أكبر.
فموقعها الجغرافي وارتباطاتها السياسية يجعلانها جزءًا من معادلة أوسع حيث يمكن أن يُعاد توجيه دورها بما يخدم أولويات القوى الكبرى في المرحلة القادمة.

إن قراءة هذا المشهد تفرض على العرب إعادة التفكير في موقعهم داخل هذه المعادلة.
فالمشكلة لم تكن يومًا في قوة الآخرين بقدر ما كانت في هشاشة الداخل وفي غياب مشروع جامع قادر على تحويل الجغرافيا من عبءٰ إلى مصدر قوة.
وبين خرائط تُرسم في الخارج وأدوار تُفرض في كواليس الاقوياء يبقى العرب أمام تحدٍ حقيقيٍ وهو : هل يستطيع العرب استعادة زمام المبادرة ؟ أم سيبقون مجرد رموز في معادلات الآخرين؟!

يبقى السؤال :
أكو عرب ؟!