عمر الفاروق.. ميزان العدلِ الصارم وفلسفةُ التمكينِ الممكن
بقلم: حسين سالم السليماني.
حين أذن الباري للفجر الصادق أن يبدد عتمة "الاستخفاء"، ويفتح للإسلام أبواب "التمكين" بعد طول استضعاف، لم يكن انحياز عمر بن الخطاب للمحراب مجرد زيادة في عدد المؤمنين، بل كان "فتحاً سماوياً" أعاد صياغة موازين القوى على الأرض. هي دعوةٌ نبويةٌ زكية، سرت في ملكوت السماء فاستجاب لها الله: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك»، فكان عمر؛ ذاك الذي لم تُختصر هيبته في طوله، بل في روحٍ صاغها الوحيُ لتكون "فرقاناً" حاسماً، يفصل بضربة صدقٍ واحدة بين باطلٍ لجلج وحقٍ أبلج.
لم يعبر عمر تاريخ الدعوة كعابر سبيل، بل كان "إعصاراً إيمانياً" دكّ حصون الجاهلية في أعماقه قبل أن يزلزل بها آفاق مكة. هو الذي استنكف "دين الخفاء"، فصدع بالحق في رابعة النهار، وطاف بالبيت العتيق والسيوفُ حبيسةُ أغمادها، تآكلها غيظُ المشركين أمام جلال وقفته. كانت مواقفه نبضاً حياً لكرامة العقيدة؛ فهو الصنديد الذي لم يسرق هجرته بليل، بل أعلنها صرخةً مدوية ألقمت صناديد قريش حجر الصمت، ليؤسس لمرحلةٍ غدا فيها "الظلَّ" الذي تفر منه الشياطين، و"السيفَ" الذي لا يُستلُّ إلا في مرضاة الرحمن، وتجلت عظمة الفاروق في تلك "الموافقات" المدهشة، حيث كان قلبه يبصر بنور الله فينطق بالحق قبل أن يتنزل به الروح الأمين. كأن روحه كانت شفافةً تخترق الحُجب، فكم من مشورةٍ قال فيها: "يا رسول الله، لو فعلنا كذا"، فيأتي القرآنُ مُصدقاً لرأيه، ومؤيداً لبصيرته. لم تكن تلك المصادفات إلا ترتيباً إلهياً أجرى الحق على لسانه، ليغدو الفاروق المعلمَ الأول في فقهِ السياسة الشرعية، والمهندس الحقيقي لدولة المؤسسات التي لم تعهدها العربُ من قبله، وفي تحولٍ فريد، انتقل عمر من "جبار الجاهلية" إلى "رحيم الأمة"، دون أن ينقص من مهابته التي ارتجفت لها عروش كسرى وقيصر. هو الذي توسد التراب تحت ظل الشجرة، بلا حرسٍ يذود عنه ولا حجابٍ يحجبه، لأن "عدله" كان سوراً منيعاً أحصن من القلاع المشيدة.
مَن ينسى دمعاته التي سقت لحيته خشية أن تتعثر بغلةٌ بأرض العراق فيُسأل عنها؟ لقد أقام ميزان القسط حتى ارتبط اسمه مع العدالة؛ فلا قرابة تحابي، ولا جاه يحمي، بل الخلقُ جميعاً أمام شرع الله سواسية كأسنان المشط.
لم تكن فتوحاته توسعاً جغرافياً طلباً للملك، بل كانت "رحمةً مهداة" للعالمين. فتح القلوب قبل الأمصار، ودوّن التاريخ بمداد الهجرة، وجعل من بيت مال المسلمين مأوىً للمنكوبين. كان "عسّاس" الليل الذي يحمل أوجاع الرعية على عاتقه، يأبى الشبع وفي بطون أطفال المسلمين غرغرة الجوع. هو الذي خطّ بمداد الكرامة كلمته التي خلدها التأريخ صرخةً إنسانية مدوية:
«متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟».
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مدرسةٌ لا تشيخ فقد
عاش بتعددية مذهلة: الإنسان، الجندي، القاضي، والحاكم، والعابد. وختم رحلته كما بدأها: شامخاً في محراب الفضيلة، نال الشهادة التي تمنّاها وهو بين يدي ربه، ليرحل تاركاً خلفه أمةً عزيزة، ومنهجاً في الحكم لا تبليه السنون. سيظل ابن الخطاب "العبقرية الفذة"، والميزان الذي لا يحيد، والملهم الذي يرتوي منه الأحرار معنى العزة، وتتعلم منه الأجيال كيف يكون القوي عادلاً، وكيف يكون الحاكم خادماً.


