محراب الفيزياء: أصابع فليمنج وسيمفونية المجال المغناطيسي

بقلم: أ.د مهدي دبان

استاذ دكتور الفيزياء

جامعة عدن

تخيل أصابع يداً تتحرك في الفضاء، ثم الأخرى تكمل المشهد،اصابع اليد اليمنى واليد اليسرى لفلمنج، كأنهما شقيقتان ترسمان خيوط الكون الخفية بنبل وأناقة. لم تكن هاتان اليدان مجرد أداة جسدية عابرة، بل كانتا فرشاة عبقرية غُمست في مدادِ النور لتخط قوانين الطبيعة على لوح الحياة...لقد أضاءت أصابع اليد اليمنى الطريق لفهم اتجاه التيار والمجالات المغناطيسية، فغدت قاعدة ذهبية وحجر الزاوية لكل مهندس وعالم فيزيائي يتلمس خطى الحقيقة. ولم تكن أصابع اليد اليسرى أقل سحراً، فهي التي برعت في تحديد اتجاه القوة الناتجة عن شحنة متحركة في مجال مغناطيسي، لتكمل لغة الكون التي بدأتها شقيقتها اليمنى؛ وكأن الطبيعة لاتكمل الا بشقين في آن واحد من خلال هذا العالم الذي ولد في أواخر عام 1849 ورحل في عام 1945، تاركاً خلفه سراً علمياً يمزج بين رهافة الروح وصلابة الفيزياء.

في كل إصبع كان صبر يطاول السماء، وفي كل لمسة من ابتكاراته كان شغف يذيب الجمود، لتمثل أصابع فلمنج أيقونة خالدة تربط اليد بالعقل والكون في تلاحم إبداعي مهيب. لم تعد قواعده تحولت إلى قصيدة حية للأصابع التي ترقص ببراعة بين القوة والتيار والمجال، نابضة بفضول الإنسان المتوقد الذي لا يشبع من الاكتشاف، لتظلّ ذكرى فليمنج واختراعاته نوراً يتوهج في قلب كل متأمل يرى في العلمِ محراباً وفي المعرفةِ رسالة حبّ وتواصلٍ أبدي.

فالسير جون أمبروز فليمنج، ذلك المهندس الكهربائي والفيزيائي البريطاني الفذ، لم يكتفِ برسم القواعد بل منح البشرية "صمام الراديو المفرغ"، الاختراع الثوري الذي عبرت من خلاله الكلمات المحيط الأطلسي لأول مرة، معلناً بداية عصر يربط القارات بنبضٍ واحد ....