الهروب إلى الوهم - حين يهاجر الإنسان خارج القانون ويسقط داخل المجهول...

لم يعد "الترحال"في زمننا فعلاً إنسانياً بريئاً كما كان في أسفار الأوّلين، بل تحوّل في أحد أكثر تجلياته قسوة إلى قفزة في العتمة، تُعرف اليوم بـ"الهجرة غير النظامية". وهو مصطلح أدق من غيره، لأنه يعبّر بوضوح عن كل انتقال بشري يتجاوز القوانين: دخول بلا تأشيرة، إقامة بلا تصريح، أو حياة تُبنى على وثائق مزوّرة وظلٍ قانوني هش.
إنها ليست مجرد حركة انتقال، بل حالة اضطرار مركّبة، تدفع الإنسان لأن يخلع عن نفسه حماية القانون قبل أن يعبر الحدود.
جذور الهروب… لماذا يغامر الإنسان بنفسه؟
الهجرة غير النظامية ليست نزوة، بل نتيجة تراكمات قاسية، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والخوف بالحلم. ويمكن اختزال دوافعها في مسارات كبرى:
الحروب والصراعات التي تحوّل الأوطان إلى مناطق طاردة وتفرز:
-الفقر والبطالة -انسداد الأفق الاقتصادي
-الاضطهاد الديني والسياسي
-النزعات العرقية -الإقصاء الاجتماعي
-البحث عن الأمن والاستقرار
-الحلم بحياة أفضل
-لمّ شمل العائلات المشتتة.
إنها في جوهرها صرخة إنسان يبحث عن "مكان ممكن"، حتى لو كان الثمن عبور “طريق مستحيل”.
الطريق إلى المجهول… كلفة العبور خارج القانون
لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الطريق، الذي يبدو خلاصاً، يتحول في كثير من الأحيان إلى سلسلة من المخاطر القاتلة المتمثلة في:
-غياب الرؤية ووضوح المصير
-الوقوع في ابتزاز شبكات التهريب
-انعدام أدنى معايير السلامة
-عبور طرق محفوفة بالموت
-التعرض للعنف والجريمة
-الاستغلال القاسي في سوق العمل
-خطر الاعتقال أو -الترحيل
-فقدان الحقوق والخدمات الأساسية
-العزلة والانقطاع عن العالم
-العيش خارج مظلة القانون..
إنه انتقال من أزمة إلى أخرى، ومن وطنٍ مأزوم إلى غربةٍ أكثر قسوة.

العالم يعالج الأعراض ويتجاهل المرض:
فعلى المستوى الدولي، لم تقف الدول مكتوفة الأيدي، بل صاغت جملة من الاتفاقيات لمكافحة الظاهرة، من أبرزها:
-اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة (2000)م
-بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين برًا وبحرًا وجوًا
-الاتفاق العالمي المنظم للهجرة
-اتفاقية حماية حقوق العمال المهاجرين (1990)م
-اتفاقيات ثنائية وإقليمية لتعزيز التعاون..
غير أن هذه الجهود رغم أهميتها تبدو أقرب إلى معالجة النتائج لا الأسباب. فهي تحاصر "المهاجر"، لكنها لا تعالج "الدافع للهجرة".
واللافت أن أغلب هذه الأطر ظهرت في مرحلة "النظام العالمي الجديد"، حيث اختلّ ميزان العدالة الدولية، وتفرّد قطب واحد بإدارة العالم، فكانت النتيجة: صراعات تُنتج الهجرة، وسياسات تُدين ضحاياها.
الحل الحقيقي :
يكمن حيث تبدأ العدالة فالحل لا يكمن في تشديد الحدود، بل في إعادة التوازن إلى العالم.
فالعدالة والمساواة ليستا شعارات أخلاقية، بل أدوات عملية لوقف نزيف الهجرة.
حين تتوفر فرص العمل، ويُرفع الظلم، وتُحترم كرامة الإنسان في وطنه، لن يبحث عن وطن بديل. وحين تُوزّع الثروات بعدل، سيتحول “الترحال” من هروبٍ قسري إلى خيارٍ حضاري.

مفارقة العرب تكمن في "ثروات مغرية وشعوب راحلة"
الأكثر إيلاماً أن العرب رغم ما يملكونه من ثروات هائلةيشكلون نسبة كبيرة من المهاجرين غير النظاميين.
ثرواتٌ تغذي العالم؛ وشعوبٌ تبحث عن فتات الأمان خارجه!
إنها مفارقة تختزل خللاً عميقاً:
ليس في الموارد… بل في إدارتها،
ليس في الأرض بل في السياسات التي تُفرغها من إنسانها.

أخيراً:
الهجرة غير النظامية ليست جريمة فردية بقدر ما هي نتيجة نظام عالمي مضطرب.
وما لم تُعالج جذورها، سيظل الإنسان يغامر بحياته، هارباً من واقعٍ لا يُحتمل إلى مصيرٍ لا يُؤمَن.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يُقلق الجميع:
كيف يهرب الإنسان من أرضٍ غنية دون أن يجد فيها مكاناً له؟

ويبقى السؤال:
أكو عرب ؟!