حين تتحول أمريكا وإيران إلى وجهين لخطة واحدة تُدار بالعداء وتُنفَّذ بالشراكة!
ليس كلُّ ما يُرى يُجزم بأنه صراع ولا كلُّ ما يُعلَن يصبح حربًا تُدار بمنطق الخصومة الصِّرفة.
فـ بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تتشكّل معادلةٌ مركّبة عنوانها الظاهر
"العداء" وجوهرها الحقيقي "إدارةُ توازناتٍ دقيقة" بهدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق ما "يُراد له أن يكون" لا كما "يجب أن يكون".
وهذه العلاقة الملتبسة على "ضعاف النظر" تُدار عبر مستويين، الأول منهما مستوىً دعائيٌ يُسوَّق للجماهير بوصفه صراعاّ وجودياً، في حين الثاني منهما مستوىً عمليٌ يُدار ببراغماتية باردة.
وهذان المستويان يتم تجسيدهما كـ وقائعَ من خلال ألأوجه الستة التالية:
الأول: تخادمٌ يتجاوز الضجيج..
على امتداد عقود لم تكن خطوط التماس بين الطرفين صلبة كما تبدو وخير شاهد على ذلك فضيحتا: "إيران كونترا - إيران جيت" في ذروة الحرب (العراقية الإيرانية) حيث انكشف المستور خلالهما وأثبتت الفضيحتان تفاهماتٍ مباشرة وغير مباشرة وفي أكثر من ساحة بين الولايات المتحدة ونظام الولي الفقيه. وبالتأكيد فإن ثبات علاقة الطرفين وفق تلك الأنماط تؤكد أن الصراع بينهما ليس صفرياً، ففي العراق وأفغانستان بدا أن إسقاط الخصوم المشتركين فتح المجال لتقاطعٍ وظيفيٍ بعضه بإعلان والبعض الآخر بغير إعلان.
الثاني: تبادل الأدوار في مسارح النفوذ ..
وذلك كما حصل بالعراق وبسورية ويحصل في لبنان واليمن وغيرها حيث تتبدّى صور التخادم و تبادل الأدوار.
فبينما تُمسك إيران بأدوات التأثير الميداني تُدير واشنطن سقوف اللعبة الاستراتيجية.
أما في الخليج فالتوتر المضبوط يُنتج بيئة مثالية لأنواع متعددة من الشراكات المتشاكسة والأهداف المتقاطعة.
الثالث: خرائط أوسع من الإقليم..
إننا حين نوسّع العدسة لتشمل الصين وأوروبا وتركيا نلحظ أن العلاقة الأمريكية الإيرانية لا تُفهم إلا ضمن شبكة توازنات دولية تُدار ضمن هوامش تهدف لإعادة توزيع النفوذ وتقاسم المصالح أكثر من كونها هادفة إلى القطيعة أو الصراع الصفري.
الرابع: التقاطع في كبح النهوض العربي..
في لحظات التحوّل الكبرى يظهر تقاطع المصالح بصورة أوضح تتمثل في أن أي مشروع نهوض عربي مستقل يواجه بضغوط مزدوجة من واشنطن التي تخشى فقدان الهيمنة ومن طهران التي ترى في الفراغ العربي مجالها الحيوي، والنتيجة تكمن في "إبقاء المنطقة في حالة سيولةٍ سياسية وأمنية تمنع تشكّل مركز قوة عربي متماسك".
الخامس: القانون الدولي "أداة" لا "مرجعية"..
يتشابه الطرفان في التعاطي البراغماتي مع القانون الدولي حيث يُستدعى من الطرفين حين يخدمهما ويُهمَل حين يُقيّدهما كما هو في حال العقوبات والتي تواجه بالالتفافات المالية وبشبكات التهريب وأدوات الابتزاز من الطرفين بالطبع! وكلها تدخل ضمن «اقتصاد الظل» الذي يُدار بعقلية الدولة حينا وبمنطق الشبكات أحايين أخرى.
السادس: البُعد القيمي والأمني..
الأخطر ليس فقط في الجغرافيا بل في البنية الاجتماعية والأمنية حيث تُستخدم أدوات تفكيك القيم من توظيف الانحرافات إلى شبكات التجنيد الهشّة كـ "وسائل نفوذ". والحديث هنا ليس أخلاقيا بقدر ما هو أمنيٌ إنطلاقا من زاوية التفكيك الممنهج للمجتمعات حتى يسهل التحكم بها وإدارتها.
ومن هنا ندرك أن اللعبة تكمن في المسافة بين المعلن والمخفي، المسافة التي تفرز نمطاً متكرراً من صراع مضبوط الإيقاع وتقاطعات وظيفية تُنتج واقعا يخدم الطرفين ولو مرحليًا.
فما يُسوَّق هو معركة كسر عظم وما يُرجو الطرفان منه التحقق هو إدارة توازنٍ طويل الأمد يُبقي المنطقة في حالة «لا حربٍ ولا سلام».
وخارج الضجيج تبقى الحقيقة القائلة:
ما نراه اليوم ليس مواجهة حقيقية بقدر ما هو مسرحٌ كبير تُعاد فيه كتابة الأدوار!
بينما الخاسر الدائم هم العرب .
وهنا يبقى السؤال:
أكو عرب؟!


