بلالُ بنُ رباح: الصوت الذي كسر قيود الجاهلية.
بقلم: حسين سالم السليماني.
حين أراد الإسلام أن يخطّ للعالم دستور الكرامة، لم يكتبه بمداد الحبر، بل نقشه على صفحات التاريخ؛ ليعلن أن مقياس الرفعة ليس في نسبٍ ولا عرق، بل في طُهر أنفاس فاضت بالتوحيد. وكان بلال بن رباح -رضي الله عنه- هو "الآية" المجلجلة التي دكت حصون الكبر الجاهلي، والبرهان الذي جعله أمةً تفيضُ بالثبات، وصوتاً اختاره الوحي ليكون صوت الأمة لفلاحها.
لقد سطر بلال أعظم صورة؛ ففي بطحاء مكة، حيث تذوبُ الصخور من لظى الشمس، تجلت عظمة الروح في أبهى صورها. هناك، والصخرةُ العظيمةُ تجثم على صدره النحيل، وسياطُ الطغاة تنهشُ جسده الصابر، انطلقت صرخته المدوية: «أحدٌ أحد». لم تكن مجرد كلمة، بل كانت زلزالاً هزَّ عروش الوثنية، ونشيداً للحرية كُتب بأنين الجراح ليُتلى في محراب الخلود.
وعندما سُئل بذهول: "كيف استعذبت هذا البلاء؟"، أجاب بيقين العارفين: «خلطتُ مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، فطغت حلاوة الإيمان على مرارة العذاب». لقد علمنا بلال أن الروح إذا اتصلت ببارئها، استصغرت القيود، واستعذبت الرمضاء، لتصبح "أحدٌ أحد" ميثاقاً لكل مستضعفٍ يبحث عن الفجر في دياجير الظلم، حين بات العبد الحبشيّ هو من ينادي الأمة إلى فلاحها.
لم يكن ارتقاء بلال ليكون أول مؤذن في الإسلام محض صدفة، بل كان قراراً سيادياً من الوحي لتكريس مفهوم العدل؛ ففي يوم فتح مكة، في مشهدٍ تشخصُ إليه الأبصار، استحق أن ينادي باسم الله فوق العالمين. حين انحنت مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،نادى الهادي البشير: "يا بلال"؛ ليدخل معه وحده إلى جوف الكعبة، في مشهدٍ يفيضُ بالجلال والعدل الإلهي.
هناك، بين جدران البيت العتيق، صلى بلال مع المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتقى ظهر الكعبة ليصدح بالأذان. كان صوته النديّ لا يرفع نداء الصلاة فحسب، بل يرفع راية "المساواة" التي حطمت أصنام التمييز. ذلك الصوت الذي ملأ آفاق المدينة بالسكينة، كان يمثل فيض الطمأنينة في قلوب المؤمنين، ورعداً يخلعُ أفئدة الشرك، ليظلّ وترُ بلال هو الرابط المقدّس بين الأرض والسماء.
امتزجت روح بلال بروح النبي صلى الله عليه وسلم حتى صار ظله الوفي ومؤذنه المخلص. وحين رحل المصطفى صلى الله عليه وسلم، من دنيا الفناء، انكسر في قلب بلال شجن لا يبرأ، فاعتزل الأذان؛ لأن ذكر اسم "محمد" في نداء السماء كان يفجر في روحه براكين الشوق، فتخنقه العبرات. غادر المدينة لوعةً، فكان وفاء بلال مدرسة في الحب الخالص، إذ لا قيمة للمكان ولا للصوتِ إذا غابَ عنه وجهُ الحبيب.
وهنا تتجلى عبقرية الإسلام في كلمات الفاروق عمر حين قال: «أبو بكرٍ سيدنا، وأعتقَ سيدنا»؛ لتكون هذه الكلمات وثيقةً تاريخيةً قلبت موازين الجاهلية رأساً على عقب. فقد تحول العبدُ المعذبُ إلى "سيدٍ" في قومه، وقائدٍ في جيوش الفتح، ورمزاً للتقوى التي هي ميزان التفاضل الأسمى. لم تزده الرفعةُ إلا تواضعاً، ولا زاده الجاهُ إلا زهداً، فظلّ محتفظاً بنقائه الأول، جاعلاً من حياته ملحمةً تروى عن انتصار الروح على الطين.
وفي لحظات الرحيل، حين بكت زوجته قائلة: "واحزناه"، أجابها بلال بلسان المستبشر باللقاء: «بل واطرباه.. غداً نلقى الأحبة.. محمداً وحزبه».
رحل بلال بن رباح، وبقي صوته يتردد في مآذن الدنيا، أيقونةً للصمود، وبشرى لكل صادقٍ أن العبودية لله وحده هي منتهى الحرية، وأن بلالاً الحبشيّ هو سيد في الدنيا، وريحانة في جنات النعيم.


