العدالة العوراء .. رشوة البسطاء جريمة.. ونهب الكبار امتياز !

تحت أشعة الشمس اللاهبة، يقف رجل المرور، يمد يده المرتعشة ليأخذ رشوة زهيدة لا تتجاوز الألف ريال، فيُلقى عليه اللوم، وتنهال عليه الإدانات من كل حدب وصوب، وكأنه المجرم الأكبر في معادلة الفساد. بينما في مكاتب مكيفة، تجري المعاملات خلف الأبواب المغلقة، ويُبرَم الاتفاق على الملايين، فيُغض الطرف عن المسؤول، بل ويُبرَّر له تحت عناوين زائفة من "الضرورة" و"الظروف الاستثنائية".  

إنها معادلة مختلة، حيث يُعاقَب الصغار ويُحصَّن الكبار، حيث يُلاحَق الموظف البسيط إذا ما وقع في الخطأ، بينما تُصان رؤوس الفساد الكبيرة التي تنهب موارد البلد بلا أدنى محاسبة ، فكيف يُنتظر من موظف بسيط أن يكون نزيهاً وهو يرى أن من هم في القمة قد جعلوا من الفساد منهجاً ومن النهب سياسة؟  

إن المجتمع الذي يُدين العامل البسيط لأنه "لطش" جهد غيره، لكنه يغض الطرف عن القيادات التي تلطش موارد البلد وثرواته، هو مجتمع يعاني من خلل أخلاقي خطير ؛ فالمحسوبية والرشوة وسرقة المال العام ليست مجرد أفعال فردية معزولة، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من القمة وتنحدر إلى القاعدة.  

هنا يصبح السؤال الحقيقي: لماذا نُحاكم الموظف الصغير، بينما نغض الطرف عن المسؤول الكبير؟ لماذا نُدين من يسرق القليل تحت ضغط الحاجة، بينما نُصفّق لمن ينهب المليارات تحت غطاء السلطة؟ أليس الفساد هو الفساد، مهما اختلفت درجاته؟   

ليس من العدل أن نطالب المواطن العادي بالنزاهة في بيئة يغيب فيها العدل، وليس من المنطقي أن ننتظر من الموظف البسيط أن يكون مثالاً للاستقامة بينما يرى رؤساءه يغرقون في مستنقع الفساد دون محاسبة، فكما يكون الحاكم، يكون المحكوم، وكما تكون القيادة، يكون الشعب.  

لقد علّمتنا دروس التاريخ أن المجتمعات تتشكل وفقاً لسلوك قادتها، فإن كانوا صالحين، ساد العدل، وإن كانوا فاسدين، انتشر الفساد في كل زاوية ؛ فالناس لا يولدون فاسدين بطبيعتهم، بل هم يكتسبون سلوكهم من واقعهم ومن المثال الذي تضعه لهم السلطة.  

يتردد البعض في إلقاء اللوم على القمة، ويفضلون تعليق المشكلة على شماعة "الشعب الفاسد"، وكأن فساد الناس هو السبب الأول وليس النتيجة الحتمية، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الشعوب لا تحتاج إلى أن تُستبدل، بل تحتاج إلى قيادات جديدة، تحمل مشروعاً وطنياً مبنياً على النزاهة والشفافية والعدالة.  

لقد آن الأوان لأن نفهم أن إصلاح الوضع لا يبدأ من القاع، بل من القمة؛ فلا يمكن أن نطلب من المواطنين أن يكونوا نزهاء بينما يرون الفساد ينخر في جسد الدولة بلا رادع، ولا يمكن أن نطالبهم بالإخلاص لوطنهم بينما تُنهب ثرواته أمام أعينهم.  

إن بناء وطن قوي لا يتم عبر معاقبة الفقير وترك الغني، ولا عبر محاسبة الصغار وحماية الكبار، بل يتم عبر بناء منظومة عادلة تُحاسب الجميع دون استثناء، وتضع حداً للفساد من جذوره، لا من فروعه.  

فيا من تلقون باللوم على رجل المرور البسيط، التفتوا إلى الأعلى، حيث تُصنع القرارات، وحيث يُرسم مستقبل الأوطان، فحينما تكون القيادة صالحة، فإن باقي المنظومة ستتبعها نحو الإصلاح. أما إذا كانت القيادة فاسدة، فلا تنتظروا من الشعب أن يكون ملائكياً في زمن الشياطين.