الفساد جريمةٌ قُيّدَت ضدَ مَجهول

لم يكن الفسادُ جريرةَ العصر وآفتَهُ المُبتَكَرة  ولابِدعَة مُحدَثَة أنتجتها حوكمةُ المتأخرين , بل رصدت مَظاهِرَه مُبكِرا , سجلاتُ أزمنةِ الأولين .
أرسطو , في كتابه ( الكون والفساد )  تحدث عن  مكونات الكون وفسادها المادي ومثله فعل ابن رشد في كتابه ( جوامع الكون والفساد)
وفي معرفات  معجم (لسان العرب)  لإبن منظور
الفسادُ : نقيضُ الصلاح ، فَسَدَ يَفْسُدُ ويَفْسِدُ وفَسُدَ فَساداً وفُسُوداً ، فهو فاسد و من معانيه  ( الإتلاف وإلحاق الضرر والأذى بالآخرين )

في القرآن الكريم ذُكِرَ الفسادُ 50 مرة ومنها قوله تعالى :
( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ )  {البقرة:205}.

باتفاق البشرية قاطبة وإجماع  الشرائع ونظم وقوانين دول العالم , الفساد هو التحدي الأكبر  أمام الحكومات والأكثر إعاقة لإستدامة تنمية واستقرار المجتمعات  وهو بتوصيف ( كارل كراوس ) الشاعرِ والناقدِ الأدبي النمساوي , أسوأُ من الدَعَارة التي قد تفسد أخلاق فرد، بينما الفساد يفسد أخلاق البلد بأكملها. 
حالات الفساد أظهرت إلتزام الدول بحشد جهود مكافحته وتعزيز وتطوير وسائل دعم الشفافية والنزاهة في مؤسسات الدولة وتفعيل قوانين وتشريعات المساءلة والمحاسبة  تجاه المتورطين في جرائمه من مسؤولي الدولة والحكومة وكل المشمولين بالإدانة .
  
هناك في الحدود البعيدة أحيلت الي المحاكم , ملفات قضايا الفساد , وصدرت أحكامها الصارمة بحق المتورطين , بين إعدام و سجن و عزل من المسؤولية والوظيفة وهو الأمر الذي تثار معه الأسئلة القابعة هنا بين أقواس التعجب والإستفهام !! عن الأسباب التي تجعل من اليمن بلدا محكوما بالإستثناء وبما تواتر في سرديات ماضيه من سلوك قوة العادة التي تفضي في النهاية الى تقييد جرائم الفساد ضد مجهول أوفي أحسن الأحوال تذييل منطوق القرارات بعبارة ( يحال للتحقيق)  لينتهى كل شي !! .

صور مغايرة  تأتي من بعض الأقطار العربية التي شهدت محاكمات مسؤولين وقادة بتهم الفساد، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن والعزل من مناصبهم وهي أمثلة للإستدلال دون الخوض في تفاصيل الحالات المماثلة الأخرى  .

 - نبدأ من موريتانيا التي إدين فيها الرئيس السابق  - محمد ولد عبد العزيز - بتهم الفساد والإثراء غير المشروع وغسل الأموال أثناء فترة حكمه ( 2009) - ( 2019 ) وحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات .
 - في العراق حكم على عبد الفلاح السوداني: وزير التجارة الأسبق،  بالسجن لمدة 21 عامًا بعد إدانته في ثلاث قضايا فساد من أصل ثمانية مقدمة بحقه.
 - صلاح هلال: وزير الزراعة المصري الأسبق، حُكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات بتهمة تلقي رشوة لتسهيل استيلاء رجل أعمال على أراضٍ مملوكة للدولة .
-حكم على عبد السلام بوشوارب: وزير الصناعة والمناجم الجزائري الأسبق،  بالسجن لمدة 20 عامًا بتهم الفساد .
 - عام 2019، أُدين خمسة مسؤولين في المملكة العربية السعودية بتهم الفساد المالي والإداري وتبديد الأموال العامة والتصرف في الممتلكات الحكومية والمتاجرة بالوظيفة الحكومية والإثراء غير المشروع وحُكم عليهم بالسجن لمدد تجاوزت 32 عامًا وبغرامات بلغت تسعة ملايين ريال سعودي ومصادرة أموالهم .

على خلفية ما تقدم ومرة أخرى , لماذا قضايا الفساد هنا لا تجد طريقها الى المحاكم ؟!  بينما  نجد تسريبات تقاريرها وعلى قلتها , لايتعثر وصلها الى بعض وسائل الإعلام و منصات التواصل الإجتماعي , لتكشف عن خفايا حقائق صادمة وأرقام فلكية مهولة .

 يبدو إن أمرا كهذا  يحدث فقط عند تصارع رموز وقوى المصالح وإحتدام الخلافات وضراوة المواجهات بينها ومن قبيل الترصد والمماحكات والمكايدات السياسية وليس تعبيرا عن سلامة وصدق النوايا وإرادة التوجه لإصلاح مكامن الخلل أو صحوة ضمير , بهدف المحاسبة ومحاربة مصادر الفساد  وتجفيف منابعه وقطع دابره .

الإستفادة من تجارب الدول وخبراتها
في التعاطي مع قضايا الفساد يبدأ من الإمتثال لمبادئ وقيم النزاهة وإحترام القوانين والتشريعات التي تنظم إدارة شؤون الدولة وفق المعايير التي تساوي في الحقوق والواجبات بين جميع مواطنيها وتقيم للعدل ميزان الثواب والعقاب وبما يضمن سد جميع منافذ وثغرات تجاوز القانون بقوة السلطة أو الوظيفة أو القبيلة.
تماما كما فعل الكوريون الجنوبيون   مع  رئيسة بلادهم ( بارك غن هي ) عام ( 2018) حينما أدينت بقضايا فساد وإستغلال السلطة وحكم عليها بالسجن لمدة 24 عاما وإقالتها من منصبها . كذلك ماجرى للرئيس
  الأندونيسي السابق ( سوهارتو ) وبعد أن قدم إستقالته عام 1998م من توجيه تهم الفساد له باختلاس مليارات الدولارات خلال فترة حكمه التي إمتدت 31 عاما  ومثله كذلك رئيس - البيرو - ( ألبرتو فوجيموري ) الذي حكم عليه  بالسجن لمدة 25 عاما بعد إدانته عام ( 2007 ) بتهم الفساد خلال فترة حكمه التي إمتدت 10 سنوات .
ولم تتأخر بنغلاديش، في مواجهة  رئيسة وزرائها السابقة (خالدة ضياء ) بتهم بالفساد واختلاس أموال مخصصة لليتامى  وحُكم عليها بالسجن لمدة خمس سنوات 
كما كانت قضية - لافا جاتو - (غسيل السيارات) الشهيرة  في البرازيل، من أبرز قضايا الفساد التي تورط فيها العديد من السياسيين وكشفت عن شبكة واسعة من المتورطين  شملت مسؤولين حكوميين ورجال أعمال وأيضا صدر عام 2018، حكم إدانة الرئيس  البرازيلي الأسبق ( لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ) بتهم الفساد وغسل الأموال، بموجبها حُكم عليه بالسجن لمدة 12 عامًا. 

وفي جديد مستجدات ‏الإدانة بالفساد ماصدر من محكمة الجنايات في باريس - فرنسا - الإثنين 31 مارس 2025 بحق - مارلين لوبان -   
زعيمة (حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف ) بتهم إساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي
مع إدانة ثمانية أعضاء آخرين في البرلمان الأوروبي، وصفتها النيابة العامة بأنها قضية فساد مكتملة الأركان  وطالبت بحظر مشاركة ( لوبان )في الانتخابات لمدة خمس سنوات وبالحكم عليها بالسجن خمس سنوات وغرامة قدرها 300 ألف يورو، ومنعها من ممارسة العمل السياسي للفترة ذاتها.

غني عن البيان أن قضايا الفساد كثيرة ولايستطيع المرؤ  التوقف بها عند حد أو إبراز أمثلتها وتحليل نماذجها في قراءة عابرة إذ خارطتها تتسع لتشمل بلدانا كثيرة  بطول وعرض جغرافية الكون مع إختلاف درجات ومستويات تأثيرها الذي يكون أشد فتكا وقسوة على البلدان  والمجتمعات الفقيرة والمتخلفة إقتصاديا والمتأخرة عن مواكبة ركب التقدم والتطور ومنها البلدان التي أنهكها الإحتراب الداخلي ولم يظهر إستغلال مخزون ثرواتها الهائلة أي مؤشر للنمو والتعافي , الى ذلك وحينما يدار الفساد  في عتمة الأزمة ,  وعلى وجع وأنين بلد مثخن بالجراح  تزهر في تربته  بذور الشيطان وتلك بيئة يتخلق في أحشائها كل فاسد , لتحصد إجنتها صكوك التملك والثراءالفاحش ورخاء الحياة الفارهة والعيش الرغيد ,في حين أن السواد الأعظم من الناس مغيبة حقوقهم , يدك القهر مفاصل عزتهم  وينخر فيهم بلاهوادة ويعربد الجوع على بطونهم الخاوية ومع ذلك لايزال الفساد هنا , يقيد ضد مجهول !!