فساد سلطات الإدارة في الصفقات العمومية

بقلم: لقاضي الدكتور / عمار علوي مسعود سالم

الفساد هو استغلال المنصب العام أو السلطة لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة ويظهر بشكل صارخ في الصفقات العمومية التي تختلف بطبيعتها عن العقود المدنية والتجارية ذلك أن الصفقات الحكومية تمنح الإدارة سلطة واسعة تشمل الإشراف الرقابة التوجيه وحتى التعديل وكلها امتيازات يفترض أن تُستخدم لصالح المصلحة العامة وضمان حسن سير المرافق.

لكن في الواقع، تغيب سلطة الإشراف والرقابة رغم ثبوتها قانونًا وتختزل الصلاحيات في يد مسؤول فاسد يستغل منصبه لتوجيه المشروع بما يخدم مصالحه الخاصة يتجلى هذا في التعاقد مع شركات تفتقر للخبرة أو تُساوم على الجودة والمواعيد مقابل عمولات غير قانونية. وهذا الفساد الإداري يتسبب في هدر المال العام وتعثر مشاريع البنية التحتية وتدهور الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء مما ينعكس بشكل مباشر على المواطن بانتشار الأوبئة وارتفاع الأسعار وتدهور العملة.

من أبرز مظاهر هذا الفساد فقدان سلطة التعديل التي تُعدّ من أهم ما يميز العقد الإداري إذ يتيح القانون للإدارة، بإرادتها المنفردة تعديل شروط العقد بما يخدم المصلحة العامة غير أن غياب الرقابة والمحاسبة أفقد الإدارة هذه السلطة فتحوّل العقد الإداري إلى عقد مدني مشبوه خارج عن روح القانون وأهدافه حتى إذا تغيرت الظروف الاقتصادية تبدّل أسعار الصرف أو اضطرابات أمنية لا تتحرك الإدارة لتعديل العقود بما يتناسب مع الوضع الجديد، بل تلتزم الصمت وتغض الطرف مقابل مكاسب خفية.

كما أن سلطة توقيع الجزاء التي تمنح الإدارة حق محاسبة المتعاقد عند الإخلال بالتزاماته أصبحت غائبة لا يتم فرض أي عقوبة على المقاول رغم الإهمال أو الإخلال بالمواعيد أو الجودة، لأن الجهتين – الإدارة والمقاول – غالبا ما تكونان شريكتين في الفساد 

وحتى سلطة إنهاء العقد التي تتيح للإدارة فسخ التعاقد عند ارتكاب المتعاقد مخالفات جسيمة، تُهمَّش بالكامل . فالمسؤول يخشى كشف التواطؤ والمقاول قد يفضح ما دار خلف الكواليس فتُنهي المشاريع إما متوقفة أو منجزة بجودة رديئة تحت ذرائع الأوضاع العامة .

كل ذلك بسبب انعدام المحاسبة والفراغ السياسي وغياب الانتماء الوطني مما جعل الصفقات العمومية وسيلة لنهب المال العام لا لخدمة المرفق العام . إنّ تفشي الفساد في العقود الإدارية لا يؤدي فقط إلى تدهور الخدمات وتفاقم الأزمات الاقتصادية بل يضرب ثقة المواطن في الدولة ويقوّض سلطة القانون ويحول المصلحة العامة إلى سلعة في يد أصحاب النفوذ .

لذلك فإن بقاء الصفقات العمومية خارج نطاق الرقابة القضائية والإدارية يُعد جريمة مكتملة الأركان ضد الوطن والشعب ويتطلب وقفة جادة لإعادة الاعتبار لسلطة الإدارة وتفعيل آليات المحاسبة والرقابة واستعادة روح القانون .

القاضي الدكتور / عمار علوي مسعود سالم – رئيس محكمة الميناء الابتدائية م/عدن