ما بعد الحرب.. ميثاق عيش مشترك وعقد اجتماعي فدرالي وكلفة تجاهل الجنوب
مع اقتراب الحرب اليمنية من نهاياتها المحتملة، تتزاحم الأسئلة الكبرى حول شكل السلام القادم وبنية الدولة التي ستولد من ركام المعارك. فإسقاط الانقلاب أو استعادة العاصمة لا يعني بالضرورة استعادة الدولة، لأن الدولة ليست جغرافيا محررة، بل هي عقد اجتماعي جامع، وثقة متبادلة، ونظام عادل لتوزيع السلطة والثروة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدستور بلا عقد اجتماعي لن يصمد طويلًا. ففي الولايات المتحدة، ترسخت الفدرالية عبر عقد ملزم واجه اختبار الحرب الأهلية وانتصر على نزعة الانفصال. بينما تفكك الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا حين غابت الثقة وتحولت الاتحادية إلى مجرد إطار شكلي سمح بالانقسام الدموي أو الانفصال السلمي كما في تشيكوسلوفاكيا. العبرة هنا واضحة: لا يمكن الحديث عن دولة اتحادية قابلة للحياة من دون عقد اجتماعي حقيقي يضمن شراكة الندّية وعدالة التوزيع.
اليمن بين الماضي والحاضر
لم يعرف اليمن في تاريخه الحديث عقدًا اجتماعيًا راسخًا. الوحدة عام 1990 لم تُبنَ على أسس فدرالية واضحة، بل على اندماج سريع هيمن فيه المركز على الجنوب، مما فجّر حرب 1994 وترك جروحًا لم تلتئم. هذه المظالم غذّت الحراك الجنوبي ومطالب حق تقرير المصير، لتصبح القضية الجنوبية اليوم جوهر أي تسوية قادمة.
تجربة الحوار الوطني (2013–2014) كانت فرصة ذهبية لتأسيس عقد جديد، إذ طرحت صيغة الدولة الاتحادية الفدرالية وعالجت القضية الجنوبية. لكنها انهارت تحت ضربات الانقلاب الحوثي–الصالحي والإرباكات الأمنية. هكذا بقيت الاتحادية شعارًا بلا تطبيق، وفقد اليمنيون فرصة صياغة ميثاق عيش مشترك جامع.
كلفة تجاهل الجنوب
إن أي مشروع للسلام يتجاهل الجنوب محكوم بالفشل. فالجنوبيون أثبتوا سياسيًا وعسكريًا أنهم ليسوا مجرد ملف يُدار من المركز، بل طرف رئيسي أسهم في صدّ الحوثي وحماية أرضه وبناء مؤسسات بديلة في غياب الدولة. اختزال الجنوب في تفاهمات فوقية سيعيد إنتاج الأزمة، بينما إدماجه كشريك أصيل سيفتح الباب أمام دولة اتحادية متماسكة.
التاريخ يعلمنا أن التجاهل أثمن وصفة للانقسام. ومن يظن أن «تأجيل الملف الجنوبي» يوفر وقتًا أو يضمن استقرارًا، فإنه يُقامر بمستقبل اليمن كله.
ملامح العقد الاجتماعي الفدرالي المنشود
السلام الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف النصر: ليس بالسيطرة على صنعاء فقط، بل بقدرة اليمنيين على صياغة عقد يضمن التعددية ويحوّلها إلى مصدر قوة. هذا العقد يجب أن يقوم على:
1- مواطنة متساوية: بلا سلالة ولا جغرافيا تهيمن على أخرى.
2- شراكة جنوبية–شمالية متوازنة: تعالج مظالم الماضي وتفتح المجال لفدرالية مرنة تحترم خصوصيات الأقاليم.
3- عدالة انتقالية: تعترف بالضحايا وتعالج الجراح بعيدًا عن الانتقام.
4- دمج القوى المحلية: التي نشأت في الفراغ المؤسسي ضمن هياكل الدولة الشرعية.
5- ربط السياسة بالاقتصاد: فإعمار اليمن وتوفير الخدمات والعمل شرط لبقاء السلم الأهلي.
خاتمة: اليمن أمام خيارين
اليمن اليوم على مفترق طرق: إما تأسيس دولة فدرالية عادلة تُبنى على عقد اجتماعي صلب يضمن مشاركة الجنوب وبقية الأقاليم، أو العودة إلى دوامة التفكك وإعادة إنتاج الفشل.
إن ما بعد الحرب ليس وقتًا للاحتفال بالنصر العسكري بل لحظة تأسيس تاريخية. إما أن نُنجز ميثاق عيش مشترك يعترف بالتعدد ويضمن العدالة والشراكة، أو نترك الباب مفتوحًا لانفجارات جديدة قد تكون أكثر مأساوية من الحرب ذاتها.
فالدولة لا تُبنى بالشعارات ولا بالهيمنة، بل بميثاق جامع يطمئن المواطن ويجعله شريكًا، لا تابعًا. تلك هي كلفة تجاهل الجنوب، وذلك هو الدرس الذي لا يجوز لليمنيين أن يتجاهلوه وهم يخطون نحو ما بعد الحرب.